للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما جاء الله بالإسلام وغلب دينه على الأديان وكانت مملكة الروم قد انتشرت في حفافي البحر الرومي من عدوتيه، فانتزعوا منهم لأوّل أمرهم عدوته الجنوبية كلّها من الشام ومصر وإفريقية والمغرب وأجازوا من خليج طنجة فملكوا الأندلس كلّها من يد القوط والجلالقة وضعف أمر الروم وملكهم بعد الانتهاء إلى غايته شأن كل أمّة. ثم شغل الافرنجة بما دهمهم من العرب في الأندلس والجزائر بما كانوا يتخيمونهم ويردّدون الصوائف إلى بسائطهم أيام عبد الرحمن الداخل وبنيه الأندلس، وعبد الله الشيعي وبنيه بإفريقية. وملكوا عليهم جزائر البحر الرومي التي كانت لهم مثل صقلّيّة وميورقة ودانية وأخواتها، إلى أن فشل ربح الدولتين وضعف ملك العرب، فاستفحل الافرنجة ورجعت لهم واسترجعوا ما ملكه المسلمون إلّا قليلا بسيف البحر الرومي مضايق العرض في طول أربع عشرة مرحلة واستولوا على جزائر البحر كلّها، ثم سموا إلى الشام وبيت المقدس مسجد أنبيائهم ومطلع دينهم فسربوا إليه آخر المائة الخامسة، وتواثبوا على الأمصار والحصون وسواحله. ويقال: إنّ المستنصر العبيديّ هو الّذي دعاهم لذلك وحرّضهم عليه لما رجى فيه من اشتغال ملوك السلجوقيّة بأمرهم، وإقامتهم سدا بينه وبينهم عند ما سموا إلى ملك الشام ومصر.

وكان ملك الافرنجة يومئذ اسمه بردويل [١] وصهره زجار [٢] ملك صقلّيّة من أهل طاعته، فتظاهروا على ذلك وساروا إلى القسطنطينية سنة إحدى وتسعين ليجعلوها طريقا إلى الشام، فمنعهم ملك الروم يومئذ ثم أجازهم على أن يعطوه ملطية إذا ملوكها فقبلوا شرطه. ثم ساروا إلى بلاد ابن قلطمش، وقد استولى يومئذ على مرية وأعمالها وأرزن الروم وأقصر وسيواس، وافتتح تلك الأعمال كلّها عند هبوب ريح قومه على السلجوقيّة، ثم حدثت الفتنة بينهم وبين الروم بالقسطنطينية، واستنجد كل منهم بملوك المسلمين في ثغور الشام والجزيرة، وعظمت الفتن في تلك الآفاق ودامت الحال على ذلك نحوا من مائة سنة وملك الروم بالقسطنطينية في تناقص واضمحلال.

وكان زجار صاحب صقلّيّة يغزو القسطنطينية من البحر ويأخذ ما يجد في مرساها من سفن التجار وشواني [٣] المدينة، ولقد دخل جرجي بن ميخاييل صاحب أسطوله الى


[١] وهو بودوان.
[٢] وفي نسخة اخرى: روجيه.
[٣] الشونة: المركب المعد للجهاد.

<<  <  ج: ص:  >  >>