للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَلَا بَيْنَ الْخَضِرِ وَمُوسَى؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَا تَكُونُ الْمُقَارَنَةُ مَوْجُودَةً قَبْلَ فِعْلِهِ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ إنَّمَا نُفِيَتْ عَنْ التَّارِكِ لَا عَنْ الْفَاعِلِ فَعُلِمَ أَنَّهَا مُضَادَّةٌ لِمَا يَقُومُ بِالْعَبْدِ مِنْ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَصُدُّ قَلْبَهُ عَنْهُ إرَادَةُ الْفِعْلِ وَعَمَلُهُ وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَلْ وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا التَّقْسِيمُ - أَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرَ مَا فَعَلَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ خِلَافَ الْمَعْلُومِ الْمُقَدَّرِ، وَإِطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ اسْتِطَاعَةَ الْفَاعِلِ وَالتَّارِكِ سَوَاءٌ وَأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يَخْتَصُّ عَنْ التَّارِكِ بِاسْتِطَاعَةِ خَاصَّةٍ عُرِفَ أَنَّ كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ خَطَأٌ وَبِدْعَةٌ. وَلِهَذَا اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَجُمْهُورُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا عَلِمَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَعَلَى مَا يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ لَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ والمتفلسفة الصَّابِئَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ انْحِصَارَ الْمَقْدُورِ فِي الْمَوْجُودِ، وَيَحْصُرُونَ قُدْرَتَهُ فِيمَا شَاءَهُ وَعَلِمَ وُجُودَهُ؛ دُونَ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَمَا رَجَّحَهُ النَّظَّامُ والأسواري وَكَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَزْعُمُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَقْدُورِ غَيْرُ هَذَا الْعَالَمِ، وَلَا فِي الْمَقْدُورِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُهْدَى بِهِ الضَّالُّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُسَوِّي بَنَانَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ