للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ لِلْبَابِ فَمَنْ كَانَ بَلَدُهُ مُحَاذِيًا لِهَذَا الْقُطْبِ كَأَهْلِ حَرَّانَ وَنَحْوِهِمْ كَانَتْ صَلَاتُهُمْ إلَى الرُّكْنِ. وَلِهَذَا يُقَالُ أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَتُهُمْ. وَمَنْ كَانَ بَلَدُهُ غَرْبِيَّ هَؤُلَاءِ - كَأَهْلِ الشَّامِ - فَإِنَّهُمْ يَمِيلُونَ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ قَلِيلًا بِقَدْرِ بُعْدِهِمْ عَنْ هَذَا الْخَطِّ فَكُلَّمَا بَعُدُوا ازْدَادُوا فِي الِانْحِرَافِ وَمَنْ كَانَ شَرْقِيَّ هَؤُلَاءِ - كَأَهْلِ الْعِرَاقِ - كَانَتْ قِبْلَتُهُ بِالْعَكْسِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ يَجْعَلُونَ الْقُطْبَ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ خَلْفَ أَقْفَائِهِمْ وَأَهْلُ الشَّامِ يَمِيلُونَ قَلِيلًا فَيَجْعَلُونَ مَا بَيْنَ الْأُذُنِ الْيُسْرَى وَنَقْرَةِ الْقَفَا أَوْ خَلْفَ الْأُذُنِ الْيُسْرَى بِحَسَبِ قُرْبِ الْبَلَدِ وَبُعْدِهِ عَنْ هَؤُلَاءِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ خَلْفَ الْأُذُنِ الْيُمْنَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةَ لَمْ يَأْمُرُوا أَحَدًا بِمُرَاعَاةِ الْقُطْبِ وَلَا مَا قَرُبَ مِنْهُ وَلَا الْجَدْيُ وَلَا بَنَاتُ نَعْشٍ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى مَنْ أَمَرَ بِمُرَاعَاةِ ذَلِكَ وَأَمَرَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ الْقِبْلَةُ بِالْجَدْيِ وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْجَدْيِ؛ وَلَكِنْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْدِيدُ الْقِبْلَةِ بِذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا لَكَانَ الصَّحَابَةُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَسْبَقُ وَلَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدَعْ مِنْ الدِّينِ شَيْئًا إلَّا بَيَّنَهُ فَكَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ وَنَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ وَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ