للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[مشروعية رفع اليدين في الدعاء بعد رمي الجمرات]

قوله: (ويرفع يديه) وقضية رفع اليدين في الدعاء في الآونة الأخيرة أثارت المشاكل بين العامة وطلاب العلم، ونرى بعض الناس يعيبون على من يرفع يديه في الدعاء، ويقولون: رفع اليدين في الدعاء ما جاء إلا في مواضع مستقلة، كالاستسقاء وعند رؤية البيت، وفي عرفات وما عدا ذلك لا ترفع فيه اليدان، وبهذه المناسبة فإن النووي رحمه الله ذكر بعض مواطن رفع اليدين في الدعاء، ثم قال: (ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه في الدعاء في أكثر من ثلاثين موضعاً، ومن ظن أن رفع اليدين قاصر على هذه الثلاثين فهو أجهل من كذا) .

إذاً: القاعدة العامة هي رفع اليدين في الدعاء، وقد استدل بعض العلماء على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليستحي من عبده أن يمد إليه يديه فيردهما صفراً) يستحي الله من العبد أن يمد يديه إليه يسأله حاجته أن يردهما صفراً أي: بدون شيء، وإنما يضع له شيئاً فيها، وهذا عام في كل دعاء، وجاء في الحديث الآخر: (وذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام، فأنى يستجاب له) فما ذكر صلى الله عليه وسلم نوعاً من الدعاء، وإنما قال: (الرجل يطيل السفر) أي: أن الدعاء يكون على أي حالة من الحالات.

إذاً: القاعدة والأصل في الدعاء أن يرفع الإنسان يديه إلى الله سبحانه وتعالى، وهنا في هذا الموضع نص على أنه يرفع يديه في الدعاء عقب رمي الجمرة الأولى والوسطى، وأما جمرة ذات العقبة فليس فيها دعاء ولا وقوف، وعلى هذا لا يكون فيها رفع، إذاً: نستصحب الأصل في التشريع وهو أن كل دعاء يجوز رفع اليدين فيه، وأما الذين يحددون الرفع بشيء معين فإنهم يحتاجون إلى نص على إثبات ذلك، وإلى نص بالنفي لما سواها، والنووي يقول: (رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في ثلاثين موضعاً، ومن ظن أن رفع اليدين قاصر على هذه الثلاثين فهو أجهل من كذا) .

إذاً: ننصح أنفسنا أولاً، والإخوة الذين يقولون: نتحرى الوارد في السنة أن لا يشددوا على أنفسهم، ولا يشددوا على الناس، ولا يمنعوا الجائز؛ لأن رفع اليدين في الدعاء هو الأصل.

قوله: (ثم يأتي إلى الوسطى كذلك فيرميها بسبع حصيات يكبر عقب كل حصاة، ثم يسهل، ثم يستقبل القبلة، ثم يدعو طويلاً ويرفع يديه، ثم يأتي إلى ذات العقبة) ذات بمعنى صاحبة، وجمرة العقبة مضاف ومضاف إليه، والإضافة تقتضي التمليك أو التخصيص، والتمليك يكون فيمن يصح تمليكه، كما تقول: كتاب زيد، والتخصيص يكون فيما لا يصح تمليكه، كما تقول: باب الدار، فالباب مختص بالدار، وجمرة العقبة أي: ذات العقبة، فإن الحاج يرميها من بطن الوادي ويذهب ولا يقف عندها.

ولماذا لا يقف ولا يدعو؟ الجواب: أشرنا فيما تقدم إلى أن المكان عندها كان ضيقاً، وأنها كانت ترمى من جهة واحدة، وأن العقبة كانت تمنع الرمي من بقية الجهات.

ثم قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل) ومع كونه يقول: رأيته يفعل، نضيف إليها قوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) وبالله تعالى التوفيق.