للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأكبر الظن أن اختلاف القراءة إنما نشأ فى عصر التدوين أو بعبارة أخرى فى القرن الثانى للهجرة. وأيضا فإن الشعر فن سمعى، وليس فنا بصريا.

والحق أنه ليس بين أيدينا أى دليل مادى على أن الجاهليين اتخذوا الكتابة وسيلة لحفظ أشعارهم ربما كتبوا بها بعض قطع أو بعض قصائد، ولكنهم لم يتحولوا من ذلك إلى استخدامها أداة فى نقل دواوينهم إلى الأجيال التالية، فقد كانت وسائلها الصعبة من الحجارة والجلود والعظام وسعف النخل تجعل من العسير أن يتداولها الشعراء فى حفظ دواوينهم، إنما حدث ذلك فى الإسلام، بفضل القرآن الكريم وما أشاعه من كتابة آية وتحوّل جمهور العرب معه من أميتهم الكبيرة إلى قارئين يتلون. ولا نكاد نمضى طويلا فى العصر الإسلامى حتى تتحول العربية من لغة مسموعة فحسب إلى لغة مسموعة مكتوبة، وهو تحول شارك فيه العرب والمستعربون. وكل ما بين أيدينا من روايات عن كتابة بعض الأشعار فى الجاهلية إنما يدل على أن الكتابة كانت معروفة، وخاصة فى البيئات الآخذة بشئ من الحضارة، ونقصد المدن مثل مكة والمدينة والحيرة، ولكنه لا يدل بحال على أنها اتّخذت أداة لحفظ الشعر الجاهلى ودواوينه، ولو أنهم كان لهم كتاب جمعوا فيه أطرافا من أشعارهم لما أطلق الله جل وعز على القرآن اسم الكتاب، فلا كتاب لهم من قبله لا فى الدين ولا فى غير الدين.

أما ما يقال من أن المعلقات كانت مكتوبة ومعلقة فى الكعبة فمن باب الأساطير، وهو فى حقيقته ليس أكثر من تفسير فسر به المتأخرون معنى كلمة المعلقات، فقد جاء فى العقد الفريد أنه بلغ من شغف العرب بالشعر أن «عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب فى القباطى المدرجة وعلقتها فى أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهّبة امرئ القيس ومذهبة زهير. .

والمذهبات السبع، وقد يقال لها المعلقات (١)» ولو أنهم تنبهوا إلى المعنى المراد بكلمة المعلقات ما لجأوا إلى هذا الخيال البعيد. ومعناها المقلّدات والمسمّطات.

وكانوا يسمون فعلا قصائدهم الطويلة الجيدة بهذين الاسمين وما يشبهما (٢). وقد


(١) العقد الفريد (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر) ٦/ ١١٩.
(٢) البيان والتبيين ٢/ ٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>