للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وظيفة قد زيد فيها، وأطعمة قد احتشد مشتريها، اتّبعها إلى المقصد بها، وشيعها إلى المنزل الحاوى لها، واستعلم ميقات الدعوة. . وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنيات والمغنين، فإذا أتاه خبر لجمع يضمهم، ومأدبة تعمّهم. . حمل عليها حملة الحوت الملتقم، والثعبان الملتهم، واللّيث الهاصر، والعقاب الكاسر. . وأمره أن يروض نفسه، ويغالط حسّه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا، ويطوى دونه كشحا، فإن أتته الّلكزة فى حلقه، صبر عليها فى الوصول إلى حقه، وإن وقعت به الصّفعة فى راسه، صبر عليها لموقع أضراسه، وإن لقيه لاق بالجفاء، قابله باللطف والصفاء».

والعهد بديع، وهو يصور حياة المتطفلين المتسكعين ببغداد، وكانت قد نشأت منهم طبقة كبيرة احترفت الأدب واتخذته وسيلة للشحاذة الأدبية، وهم أهل الكدية، وقد تحدثنا عنهم فى غير هذا الموضع مصورين كيف كانوا يتخذون الشعر الفكه لتصوير إفلاسهم وبؤسهم تصويرا يبعث السرور فى نفوس سامعيهم. ولا ريب فى أن أهل بغداد ظلوا يضحكون طويلا كلما قرءوا عهد أبى إسحق الصابئ السالف أو تذكروه، وسجعه فيه مكتمل الأداء الموسيقى، سواء قصّره أو طوّله، إذ يبغى به دائما أن يلذّ الآذان، حين تنصت إليه لذة موسيقية بديعة.

العلاء (١) بن الموصلايا

هو أمين الدولة أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا البغدادى، ولد سنة ٤١٢ ببغداد وبها كان منشؤه ومرباه، ونشأ نصرانيّا، وأقبل على دراسة الأدب وحفظ نصوصه من الشعر والنثر، كما أقبل على حفظ القرآن الكريم حتى يعدّ نفسه مثل أبى إسحاق الصابئ ليكون موظفا بالدواوين، وسرعان ما بهر الناس بأدبه، ولم يلبث الخليفة القائم (٤٢٢ - ٤٦٧ هـ‍) أن جعله كاتب الإنشاء بدار الخلافة سنة ٤٣٢ وظلت له هذه الوظيفة فى عهد المقتدى (٤٦٧ - ٤٨٧) هـ‍) والمستظهر (٤٨٧ - ٥١٢ هـ‍) حتى توفى سنة ٤٩٧ وبذلك شغلها خمسا وستين سنة. وأتم الله عليه فى أثناء ذلك نعمته، فأسلم وحسن إسلامه، واختلف من ترجموا له فى زمن إسلامه، فالعماد الأصبهانى يقول إنه كان فى زمن القائم، ويقول ابن خلكان إنه كان فى زمن المقتدى ويعين السنة بأنها كانت سنة ٤٨٤.


(١) انظر فى ترجمته وما استشهدنا به من نصوصه الخريدة (قسم العراق) ١/ ١٢٣ والمنتظم ٩/ ١٤١ ونكت الهميان ص ٢٠١ والنجوم الزاهرة ٥/ ١٨٩ وابن خلكان ٣/ ٤٨٠ وصبح الأعشى ٦/ ٤٠٤، ٤١٥، ٤٥٣، ١٠/ ٣١، ٢٣٤، ٢٩٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>