للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعلى هذا النحو كان ابن المبارك يكثر من النظم فى الدعوة إلى التقوى واجتناب الآثام والشهوات كما كان يكثر من الدعوة إلى الزهد وذم الدنيا فإنها لا تمس أحدا بفرح حتى تملأه بترح، والحازم من تزود من يومه لغده ومن حياته لآخرته. وقد لبى نداء ربه سنة احدى وثمانين ومائة للهجرة.

محمد (١) بن كناسة

كناسة لقب أبيه واسمه عبد الله بن عبد الأعلى من بنى أسد، وقد ولد ونشأ بالكوفة فى بيت صلاح وتقوى، إذ كان خاله إبراهيم بن أدهم أحد من تذكر أسماؤهم فى نشأة التصوف. ونراه يختلف إلى حلقات المحدثين اختلافا أتاح له أن يحمل الحديث عنه، وأن يعدّ فى رجاله. ويظهر أن موهبته الشعرية تفتحت مبكرة، غير أنه كان-كما يقول أبو الفرج-امرءا صالحا فلم يتصدّ لأحد بمدح ولا هجاء، بل قصر شعره على الزهد وما يتصل به من رياضة النفس على ترك الهوى والاتعاظ بالدنيا وفناء لذاتها وبقاء تبعاتها، فنعمها دائما زائلة ونقمها نازلة، ومهما طال عمر الإنسان فيها فإلى بلى وفناء وإلى كوارث وفواجع، فكلنا يجرى إلى غاية ينتهى عندها أجله، ومن عجب أن تتعلق قلوبنا بها، ونحن كل يوم نقطع مسافة إلى تلك الغاية المحتمة، بل إن منا من يضل طريق الرشاد فيتبع نفسه وهواها، وكان حريّا به أن يقهرها ويدفع عن نفسه بادرة سطوتها حتى يصون دينه، يقول:

ومن عجب الدّنيا تبقّيك للبلى ... وأنك فيها للبقاء مريد

وأىّ بنى الأيام إلا وعنده ... من الدهر ذنب طارف وتليد

ومن يأمن الأيام أما اتّساعها ... فخطر وأما فجعها فعتيد (٢)

إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى ... فإن فطام النفس عنه شديد


(١) انظر فى ابن كناسة وأخباره وأشعاره الأغانى (طبعة دار الكتب) ١٣/ ٣٣٧، والفهرست لابن النديم ص ١٠٥، والنجوم الزاهرة ٢/ ١٨٥.
(٢) اتساعها: نعيمها. خطر هنا: متقطع. محتيد: مهيئ حاضر.

<<  <  ج: ص:  >  >>