للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عاد إلى مصر وحزن السودانيون لعودته إذ عرفوا فيه الحاكم العادل الذى أنساهم سنين الدفتردار الدموية ويقول كاتب الشونة عن عودته: «تجهز بكامل ما لديه ونزل بالمراكب فصعب ذلك على الأهالى جميعا وصاروا عند وداعه يتباكون بالدموع». وخلفه أحمد باشا أبو ودان وكان عهده استمرارا لعهد خورشيد وفيه يقول كاتب الشونة: «ضبط الحكومة أشد ضبط من غير إهمال ولا تفريط، وأبطل ما كان من تعدى العساكر على الفلاحين فى تسخيرهم فى الأشغال وتسخير بهائمهم. . وبذلك ارتاحت الأهالى وزادت العمارة وكثر الخير وخصبت الأراضى ورخصت الأسعار حتى صار أردب الذرة بخمسة قروش وصارت أيامه أحسن من أيام سلفه، وإن كانت أيام سلفه أيضا حسنة فى نفسها». وتوفى أحمد باشا أبو ودان، فرأى محمد على تقسيم السودان إلى مديريات وترجع كل مديرية رأسا إلى مصر، ويتعاون المديرون فى المصالح المشتركة، وطلب إلى الحكومة العثمانية أن تضم مينائى مصوع وسواكن إلى السودان وأجابته إلى طلبه. ومنذ ولاية ابنه إسماعيل كامل كانت ترسل له جماعات ممن يؤسرون من السودانيين فى الجبال لضمها إلى الجيش. وتبين خطأ هذه السياسة إذ كان كثيرون منهم يموتون فى الطريق أو فى معسكرات مصر. وانتظمت الإدارة منذ ولاية خورشيد بما أخذ به هو ومن جاء بعده من سياسة عمرانية قويمة وتحسين الرى والزراعة وزيادة الإنتاج الحيوانى وجلب العمال المهرة من مصر لصناعة السواقى وحفر الترع.

وخلف عباس الأول بن طوسون جده محمد على سنة ١٨٤٨ وفى عهده أنشئت القنصليات فى الخرطوم، ومع أنه أغلق فى مصر بعض المدارس أمر بفتح مدرسة كبيرة فى السودان وعين رفاعة الطهطاوى ناظرا لها. غير أن سعيدا حين خلفه أغلق هذه المدرسة، وفى عهده أبطلت تجارة الرقيق السودانى نهائيا وزار السودان وأمر بإصلاح الأداة الحكومية فى جمع الضرائب وخفّفها، ورأى أن تبقى كتائب الجند فى السودان وأن لا تسلط على الناس وأن يقف جمعها للضرائب، وأمر بتنظيم المدن والشوارع وتشجيع السودانيين على إنشاء الحدائق فى منازلهم.

(ب) عهد إسماعيل (١) (١٨٦٣ - ١٨٧٩ م)

كان أول ما عمله إسماعيل تعيين موسى باشا حمدى حكمدارا للسودان وبذلك أعاد للحكم هناك نظام المركزية أيام خورشيد، وأشرك العنصر السودانى فى الحكم فعين الشيخ أحمد أبو سن كبير قبيلة الشكرية مديرا للخرطوم وسنار وظل فى وظيفته إلى أن توفى بعد عشر سنوات وأظهر قدرة ممتازة برهنت على كفاءة السودانيين الإدارية، وطالبه إسماعيل بمعاملة السكان بالعدل والعمل على ازدياد العمران فى السودان وتوسيع نطاق تجارته، وأنشئت فى السودان


(١) انظر فى السودان لعهد إسماعيل كتاب السودان عبر القرون لمكى شبيكة وعصر إسماعيل لعبد الرحمن الرافعى وتاريخ السودان القديم والحديث لنعوم شقير.

<<  <  ج: ص:  >  >>