للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن تركته وراء ظهرك». وسأله عن دولة الملثمين ثم عن دولة الموحدين قائلا: ما تقول فى عبد المؤمن (أول ملوك الموحدين) وأولاده، وسيرته فى بلاده؟ فقلت: مؤيد من السماء، مسلّط على من فوق الماء، خضع له ذوو التيجان، وخدمه الإنس والجان، ولو أن للقلم لسانا، وللورقة إنسانا (١)، لتألمت، وتظلمت، ولأنشدتك فى الملا (٢) قول الشيخ أبى العلا (٣):

جلوا صارما وتلوا باطلا ... وقالوا صدقنا فقلنا نعم (٤)

ولكن السكوت عن هذا أنجح، ومسالمة الأفاعى أصلح»

وأول المقامة شبيه بمقامات الحريرى وبديع الزمان فى تصوير حيلهم على الناس واستخراجهم لدراهمهم ودنانيرهم. ولكنها لا تلبث أن تتحول إلى حديث عن الدول المعاصرة ورجالها، وصاحب الدكان يسأل وهو يجيب، وقد سأله بعد الملثمين والموحدين من ملوك المغرب الأقصى عن حاكم صقلية النورماندى، وعن الدولة الفاطمية وزوال الحكم منها فى مصر إلى الدولة الأيوبية. ويشيد بغير أمير منها وخاصة صلاح الدين واستقدامه لأبيه وأهله ونقله الخلافة بمصر من الفاطميين إلى بنى العباس ببغداد، ويمتدح المستضيء الخليفة حينئذ وبعض وزرائه وصاحب ديوانه. ولعل أسلوبه اتضح من خلال ما ذكرته من هذه المقامة، إذ يتميز سجعه بالقصر مما يشيع فيه عذوبة بديعة، وقد مزج مديحه لعبد المؤمن بنقد لاذع لحكمه وأنه يقوم على البطش والقهر الشديد. وتلك طريقته العامة فى رسائله الكثيرة، إذ يخلط السم بالعسل، وقد تصبح سما خالصا. وله أكثر من ثلاثين رسالة موجهة إلى القاضى الفاضل وغيره من رجال الدولة محملة بكثير من هذه السموم. ويدل منامه الكبير ومقاماته ورسائله على ثقافة واسعة، وحياته وتحليل أعماله خليقان بدراسة مفصّلة.

(ج‍) أبو الفضل (٥) بن محشرة

هو أبو الفضل جعفر بن محمد بن على القيسى المشهور باسم ابن محشرة، من أهل مدينة بجاية، كان أبوه قاضيا بها وعنى بتربيته علميا وأدبيا، مما جعل الغبرينى ينعته فى عنوان الدراية بأنه الفقيه الجليل العالم الصدر النبيل النبيه الذكى السنّىّ القدر الكاتب البارع. وينعته عبد الواحد المراكشى فى كتابه: «المعجب»: ببراعة الكتابة وسعة الرواية وغزارة الحفظ وذكاء النفس. ويقول الغبرينى: «استدعاه الخليفة يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ‍) إلى حاضرتهم بمراكش وكان يجله لحسن سمته وروائه ووقاره، وفى المعجب أنه كان يخدم أبا القاسم القالمى


(١) إنسانا: إنسان عين.
(٢) الملأ: الجماعة.
(٣) أبى العلا: أبى العلاء المعرى.
(٤) جلوا صارما: صقلوا سيفا وشحذوه.
(٥) انظر فى ابن محشرة عنوان الدراية ص ٥٣ والمعجب للمراكشى ص ٣١٧، ٣٣٨ ومجموع رسائل موحدية ص ١٤٩ - ٢٢٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>