للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفصل الثالث

الحياة العقلية

[١ - الامتزاج الجنسى واللغوى والثقافى]

كانت الدولة العباسية تمتد من حدود الصين وأواسط الهند شرقا إلى المحيط الأطلسى غربا ومن المحيط الهندى والسودان جنوبا إلى بلاد الترك والخزر والروم والصقالبة شمالا، وبذلك كانت تضم بين جناحيها بلاد السند وخراسان وما وراء النهر وإيران والعراق والجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب. وهى أوطان كثيرة، وكان يعيش فيها منذ القدم شعوب متباينة فى الجنس واللغة والثقافة، غير أنها لم تكد تدخل فى نطاق العروبة حتى أخذت عناصرها المختلفة تمتزج بالعنصر العربى امتزاجا قويّا، فإذا بنا إزاء أمة عربية تتألف من أجناس مختلفة، وقد مضت هذه الأجناس تنصهر فى الوعاء العربى حتى غدت كأنها جنس واحد.

ومن أهم الأسباب التى هيّأت لذلك نزول القبائل العربية فى الأمم المفتوحة وامتزاجها بشعوبها فى السكنى وعن طريق المصاهرة وتسرّى الإماء، بحيث غدت بيوت العرب تزخر بالجوارى من كل جنس: سنديات وحبشيات وفارسيات وخراسانيات وتركيات وروميات وصقلبيات، وبحيث أصبح العربى خالص الدم فى بغداد نادرا، فالكثرة الكثيرة من أبناء العرب أمهاتهم من الجوارى والإماء، وكذلك الشأن فى الخلفاء أنفسهم على نحو ما أشرنا إلى ذلك فى الفصل السابق.

وكان وراء هذا المزج الدموى بين العنصر العربى والعناصر الأجنبية مزج روحى عن طريق الولاء الذى شرعه الإسلام والذى اتخذ شكل رابطة تشبه رابطة الدم، فالشخص يكون فارسيّا أو هنديّا أو روميّا أو قبطيّا ويكون عربيّا ولاء، وحتى الرقيق كانوا بمجرد تحريرهم يصبحون موالى لأصحابهم وينسبون إلى قبائلهم مثلهم مثل أبنائها الأصليين، وقد دعا الإسلام إلى هذا التحرير دعرة واسعة،

<<  <  ج: ص:  >  >>