للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لهذه الثقافة فى كتابه الثانى «الحيوان» فهو يقرّب هذه الثقافة من الشعب، بحيث يجد فيها لذة ومتاعا، وهو يمزج بينها وبين ما عرف عند أرسطو وغيره من علم الحيوان، ليتضح أن هذا العلم لم يكن غريبا ولا بعيدا عن العرب، بل لقد استظهروا منه كثيرا فى أشعارهم. وهو لا يقرّب هذا العلم من العامة وحده، بل يقرّب أيضا علم الكلام ونظريات أصحابه من المعتزلة أمثال النظام، بل أدق الدقائق من هذه النظريات وما حملت من براهين عقلية سديدة، وكأنما كان يريد للعامة أن تتمثل هذه البراهين حتى تتسلح عقليّا فى مناقشتها للمسائل ومحاورتها لأصحاب الملل وخاصة النصارى كما أسلفنا منذ قليل. وأما كتاب عيون الأخبار فقد عرض فى مجلداته الأربعة الثقافات المعاصرة له عرضا بسيطا سهلا، حتى يجعل قطوفها دانية للعامة، وحتى لا يظنوا-كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع-أن بينها تعارضا، فتلك آداب الفرس وتقاليدهم فى السياسة والحكم، وتلك وصايا العرب فى القضاء وغير القضاء وخطبهم وأشعارهم، وتلك أقوال المسيح عليه السلام وأقوال أصحاب الكتب السماوية فى الزهد، وتلك أحكام وقواعد فى الطعام والنبات والحيوان منقولة عن اليونان.

وكل ذلك يسوّى منه الكتاب فى لغة سهلة يسيرة واضحة أشد الوضوح، بحيث تتيح له أن يتغلغل فى طبقة الشعب، وبحيث يتبين فى وضوح أنه لا توجد حواجز ولا سدود بين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية وما قد يظنّ من ذلك كله إنما هو أقواس وهمية. وبلغ من قرب هذا الكتاب من نفوس جميع طبقات الشعب الخاصة والعامة أن أكبّ الناس على ما فيه من آداب الفرس وأهملوا كل ما صوّر هذه الآداب من كتب أخرى، إذ استطاع ابن قتيبة أن يعطيها صبغة شعبية تجعلها واضحة كل الوضوح، كما استطاع أن يكسوها بأساليبه البديعة ثوبا عربيّا ناصعا، بحيث أصبحت فى ثوبها الجديد أنصع وأبهى وأنضر من ثوبها القديم.

[٢ - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف]

تحدثنا فى كتاب العصر العباسى الأول عن حركة الترجمة فيه وكيف أنها شملت كل ما استطاع العرب نقله من علوم الهند والفرس واليونان، وكان أكثر ما نقلوه عن الفرس والهند فى مجال الفلك والرياضيات، ونقلوا عن اليونان

<<  <  ج: ص:  >  >>