للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الرّزق عن قدر، لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال

والفقر فى النفس لا فى المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى فى النفس لا المال

وفى كل مكان يلقانا كثيرون يفرغون للنسك والتبتل والعبادة، مما دفع لظهور مقدمات التصوف فى هذا العصر أو بعبارة أخرى إلى ظهور الحب الإلهى الذى يتجرد عن كل مادة وحسّ والذى يستغرق فيه المتصوفة مشغوفين بالحقيقة الإلهية، وما ترسله على الكون من أضواء الحق والخير والجمال المطلق، ومن أروع ما يصوّر ذلك أبيات رابعة العدوية المشهورة (١):

أحبّك حبّين: حبّ الهوى ... وحبّا لأنك أهل لذاكا

فأما الذى هو حبّ الهوى ... فشغلى بذكرك عمن سواكا

وأما الذى أنت أهل له ... فكشفك لى الحجب حتى أراكا

فلا الحمد فيذا ولا ذاك لى ... ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا

وهى تميز بين حبين: حب الله شكرا لإنعامه المتواصل على الإنسان فى دنياه، وحبه لجماله وجلاله القدسى الذى رفعت الحجب والأستار بينها وبينه، وهو الحب الصوفى المحرد الذى يفنى فيه المتصوفة فناء يحقق لهم السعادة. ومن المحقق أن التصوف لا يزدهر فى هذا العصر، إنما يزدهر الزهد، ومن أجل ذلك نقف عند ثلاثة من كبار الزهاد، لتتضح لنا المعانى التى كانوا يرددونها فى أشعارهم، وهم عبد الله بن المبارك ومحمد بن كناسة ومحمود الوراق.

عبد الله (٢) بن المبارك

هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح التميمى ولاء، التركى


(١) قوت القلوب للمكى ٣/ ٨٤ واحياء علوم الدين للغزالى ٤/ ٢٦٧.
(٢) انظر فى ترجمة ابن المبارك وأشعاره الأنساب للسمعانى ١٧٩ وتاريخ بغداد برقم ٥٣٠٦ وصفة الصفوة ٤/ ١٠٩ وتذكرة الحفاظ للذهبى (طبع حيدر أباد) ١/ ٣٥٤ والتهذيب لا بن حجره ٥/ ٣٨٤ والنجوم الزاهرة ٢/ ١٠٣ وكتاب الورقة لابن الجراح ص ١٤. وحلية الأولياء لأبى نعيم ٨/ ٢٧٩ ومختصر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (طبعة الموسوعات) ص ٨٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>