للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحرى بنا أن نتوقف قليلا بإزاء شاعرين غزلين كبيرين من شعراء عصر الموحدين، هما أبو الربيع الموحدى وعمر السلمى.

أبو الربيع (١) الموحدى

هو أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن، فهو من أسرة الموحدين الحاكمة، وقد عنى أبوه بتربيته، فنشأ أديبا شاعرا، ولا يعرف تاريخ ميلاده، والمظنون أنه ولد حوالى منتصف القرن السادس، وعاش حتى أوائل القرن السابع إذ توفى سنة ٦٠٤ هـ‍/١٢٠٨ م ونرى العلاقة سيئة بينه وبين ابن عمه الخليفة يعقوب فى أوائل توليه الحكم (٥٨١ - ٥٩٥ هـ‍) وما زال يستعطفه حتى عفا عنه وأصبح من كبار رجال دولته، وأخذ يعقوب يكلفه بكثير من الأعمال المدنية والحربية فأدّاها على خير وجه، وجعلته هذه الصلة بابن عمه والدولة يعيش فى رفاهية من العيش، مما جعله يكثر من الخمريات كما جعله يعيش لعواطفه الشخصية وخاصة فى الحب والغزل، وهما يستغرقان الشطر الأكبر من ديوانه من مثل قوله:

حسب الهوى من قتيل الحب مصرعه ... وحسبه منه ما تحويه أضلعه

قالوا تعزّ وقد بانوا فقلت لهم ... كيف العزاء وأدنى البين أوجعه

لا عذّب الله قلبا بالفراق ولا ... سقاه من صابه ما بتّ أجرعه

لا تعذلونى فما أصغى لعذلكم ... صمّت عن العذل أذنى ليس تسمعه

وهو يقول يكفى المحب مصرعه وما تحويه منه أضلعه، وهو يحاول كتمان أساه وضناه، وعبثا يستطيع ذلك ويقول الناس له تعزّ عن صاحبتك حين رحلت، ويجيبهم كيف أتعزى ومواجع البين آخذة يتلابيبى، ويدعو الله أن لا يعذب بالبين والفراق قلبا ولا يسقيه ما يتجرعه من المرّ والعذاب، ويقول لعذاله لا تعذلونى فلست أصغى إلى عذلكم إذ أصاب أذنى صمم فلا تسمعه. ويقول:

كيف التصبّر والأشواق تزداد ... والدار تناى وما للوصل ميعاد

وكلما قربت منى دياركم ... ينأى المزار كأنّ القرب إبعاد

والقلب فى حرق والجفن فى أرق ... وللبلابل إصدار وإيراد (٢)

إنّي وإن فاتنى عيد بربعكم ... حسبى بلقياك أعراس وأعياد

إنه لا يستطيع صبرا عن رؤية صاحبته، فالأشواق تزداد، ودارهم تبتعد، وليس للوصل ميعاد. ويقول إن ديارهم كلما قربت منه نأت الزيارة، وكأن القرب تحول نوعا من الإبعاد، وقلبه فى حرق من الحب، وجفنه فى أرق والبلابل أو الشجون تقلقه، ويقول إنه إن فاته العيد فى ديارهم، فلقاؤها أعراس وأعياد تنتظره. ويقول:


(١) انظر فى ترجمة أبى الربيع الموحدى واشعاره الوافى ص ١٨٤ - ٢٢٧ ودراسة للدكتور عباس الجرارى، وديوانه منشور.
(٢) البلابل: الشجون. إصدار وإيراد: رواح ورجوع.

<<  <  ج: ص:  >  >>