للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من المسلمين هناك كل عيش كانوا يقنعون به وبعد أن كانت أبصارهم تتطلّع إلى الفقيد معلّقة به أمانيها أخذت اليوم تغضّ منها خشوعا، وكان طرف الشاعر لا يغضى على القذى فأصبح اليوم يغضى على أقذاء كثيرة.

[٢ - شعراء الزهد والوعظ]

زاهد الأمة الأول وواعظها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وتلته طبقات من الزهاد والوعاظ كانت تقرن وعظها وزهدها بالعبادة والنسك، ونجدهم فى جميع البيئات الإسلامية، وفى كل زمن. وتموج بمواعظهم وكلماتهم الزاهدة الكتب من مثل البيان والتبيين للجاحظ وعيون الأخبار لابن قتيبة والعقد الفريد لابن عبد ربه وزهر الآداب للحصرى، وتجرى على ألسنة الشعراء فى صقلية الإسلامية أبيات تتصل بالوعظ والزهد، من ذلك قول أبى القاسم عبد الرحمن بن عبد الغنى المقرئ الواعظ (١):

أيا من نال فى الدنيا مناه ... تأهب للفراق وللرحيل

ولا تفرح بشئ قد تناهى ... فما بعد الطلوع سوى النزول

وهو ينصح من نال فى الدنيا كل آماله أن يتأهب لفراقها بالصلاة والنسك، ويقول له لا تفرح بشئ بلغ نهايته، فلم يعد أمامك بعد المنزلة التى صعدت إليها إلا النزول إلى قبرك الموحش. ويقول جعفر (٢) ابن الطيب الكلبى:

ومغتبط بعيش غير باق ... يروم سلامة تحت الهلاك

ألا يا حار (٣) ... قد حارت عقولّ

وعلّت بالقليل عن الحراك

وقد نصبت لك الدنيا شباكا ... فإياك الدنوّ من الشّباك

وهو يعجب لمن يفرح بعيش لا يدوم وكأنه يروم سلامة تحت هلاك محقق، ويعجب لأناس غرهم ما حصلوا عليه من قليل فى الدنيا فسكنوا إليه ولم يتحركوا لقضاء ما عليهم من الحقوق لربهم، وينصحهم أن لا يقتربوا من شباك اللذات والشهوات التى نصبتها لهم الدنيا، حتى لا يقعوا فيها عن غير بصيرة. ويقول أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد اللخمى الكاتب القاضى مناجيا ربه (٤):


(١) الخريدة ١/ ١١٠
(٢) الخريدة ١/ ١١٤
(٣) حار: مرخم حارث
(٤) الخريدة ١/ ١١٨

<<  <  ج: ص:  >  >>