للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لو علّم الوحش ما ينشيه من حكم ... لراحت الوحش من تعليمه علما

ما راح حتى حشا أسماعنا دررا ... من لفظه وسقى أذهاننا حكما

والتكلف فى هذا الرثاء واضح، ويكشفه ما يحمل من مبالغات على نحو ما نرى فى البيت الأول والثالث والرابع، وكان يكفى الشاعر أن يعلّم صاحبه الناس فيصبحوا علماء، أما أن يعلم الوحش فتتحول علماء على يديه، فهذه مبالغة مفرطة. ويتوفّى فى نفس السنة الشيخ أبو على عبد الله بن ناصر الخطى، فيشيّعه بمرثية، يقول فى تضاعيفها:

فتى كرمت آباؤه وجدوده ... وطابت مساعيه فتمّ له الفخر

جواد له فى كلّ أنملة مجد ... بصير له فى كلّ جارحة فكر

ويا بلد الخطّ اعتراك لفقده ... مدى الدهر كسر لا يرام له جبر

من الآن بدء الشرّ فيك وإنه ... لمتصل باق وآخره الحشر

ولو خلّد المعروف فى الناس واحدا ... لخلّد عبد الله نائله الغمر

وفرق بعيد بين لغة هذه الأبيات ومعانيها وصورها ولغة الأبيات السابقة وما تحمل من معان وصور، فهنا طواعية ومرونة فى التعبير، فالألفاظ يشيع فيها التناسق كما يشيع فى الأفكار والأخيلة. وقد يكون السبب فى ذلك أن الشاعر لم يصدر فى المرثية الأولى عن تأثر حقيقى بخلاف الثانية التى رثى فيها مواطنه الخطى. وطبيعى أن تكون أكثر أشعاره مدائح، مثله فى ذلك مثل معاصريه ومن سلفوا قبلهم، من ذلك قوله فى وزير أمير البحرين ركن الدين محمد بن نور الدين من مدحة طويلة نظمها فى سنة إحدى وألف للهجرة.

ملك رقى درج الفخار فلم يدع ... فيها لراق بعده من مطمع

وتناولت كفّاه أشرف رتبة ... لو قام يلمسها السّها لم يسطع (١)

أندى من الغيث الملثّ إذا اجتدى ... أحمى من اللّيث الهزبر إذا دعى (٢)

حيّيت يا كسرى الملوك تحيّة ... تربى على كسرى الملوك وتبّع

والتكلف واضح فى هذا المديح، وتبدو فى الأسلوب رقع غير ملائمة، ككلمة «قام يلمسها» وكلمة «اجتدى» أى طلبت جداوه وفائدته، بالإضافة إلى كلمة «كسرى» المكررة فى البيت الأخير. وهو يستهل هذا المديح بنغمة أبى نواس المعروفة من الدعوة إلى الانصراف عن ذكر الأطلال إلى ذكر الخمر، وله بعض خمريات. لعل أطرفها خمرية حاثية يقول فيها:


(١) السها: كوكب صغير من نبات نعش الصغرى.
(٢) الملث: الدائم الملح. الهزبر: الأسد الضخم القوى.

<<  <  ج: ص:  >  >>