للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والخريدة. وطبيعى أن يشيع شعر شيعى كثير على ألسنة الشيعية، يرويه خالف لهم عن سالف وخاصة ما يتصل بمراثى الحسين، وبالمثل كان يشيع لأهل السنة كثير من الأشعار المصورة لعقيدتهم السنية، مما تزخر به كتب الطبقات.

ونجد فى اليتيمة شاعرا من الأهواز يسمى محمد (١) بن عبد العزيز السوسى، يقول فيه الثعالبى إنه كان أحد شياطين الإنس، ويذكر أن له قصيدة كانت تربى على أربعمائة بيت فى وصف حاله وتنقله فى الأديان والمذاهب والصناعات، أولها:

الحمد لله ليس لى بخت ... ولا ثياب يضمّها تخت (٢)

سيّان بيتى لمن تأمّله ... والمهمه الصّحصحان والمرت (٣)

أمنت فى بيتى اللصوص فما ... للصّ فيه فوق ولا تحت

فهو عديم الحظ وليس له ثياب يضمها صوان، فكل ما يملكه فوق جلده، وبيته فارغ من الأثاث ومن أى شئ يكون فى البيوت عادة، وكأنه فلاة مقفرة، وطبيعى أن يأمن اللصوص، فليس فى بيته ما يسرقونه، وكأنه سجن ولا حرس له. ويمضى فيما رواه الثعالبى من القصيدة، فيذكر أنه اضطرّ إلى أن يتخذ مظهر متسوّلة الصوفية فقصّر ثيابه، وأحفى شاربه مستقصيا، وحمل سجّادة، وذهب إلى الحج دون أن ينويه، ودخل المسجد الحرام وصلّى فى مقام الخليل ليوهم الناس أنه صوفىّ حقا. حتى يعطفوا عليه ويحسنوا إليه. والقصيدة كانت كلها هزلا على هذا النمط.

واشتهرت منذ أوائل العصر جماعة من الشعراء الرحالة المتسولين المعروفين باسم شعراء الكدية أو التسول الأدبى، ويعرفون أيضا باسم الساسانيين نسبة إلى أمير فارسى يسمى ساسان حرمه أبوه من الملك، فهام على وجهه محترفا للكدية، وتشبه هذه الجماعة طائفة الأدباتية التى كانت معروفة بمصر فى أواخر القرن الماضى والتى كانت تظهر فى موالد الأولياء متخذة من أشعارها وسيلة لاكتساب المال وابتزازه. ونجد مقدمات هذه الجماعة الساسانية فى أوائل كتاب البخلاء للجاحظ إذ يعرض طائفة من حيلها وخدعها، ويتلوه البيهقى فيصور فى كتابه المحاسن والمساوى ألوانا من هذه الخدع والحيل. وحرى بنا أن نقف عند أهم شعرائها فى العصر: أبى دلف الخزرجى.


(١) اليتيمة ٣/ ٤٢٦.
(٢) التخت: الصوان.
(٣) المهمه: الفلاة. الصحصحان: المستوى الواسع. المرت: القفرلانيات فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>