للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد ذهبنا فى كتابنا العصر العباسى الأول إلى أن أبا تمام لم يكن يصدر فى مثل ذلك للمأمون عن تشيع إنما كان يريد أن يتقرب للخليفة بذكره لآل البيت. ومعروف أن المأمون كتب إلى الآفاق بتفضيل علىّ على أبى بكر وعمر، مما جعل الشاعر يشيد بعلى ومواقفه فى عهد الرسالة.

ويلقانا بعده ديك الجن الحمصى المتوفى سنة ٢٣٥ للهجرة وتشيعه أوضح من تشيع أبى تمام إذ نجد عنده أشعارا فى أهل البيت ومراثى تندب الحسين وتبكى مصرعه من مثل قوله فى افتتاح إحدى مراثيه (١):

يا عين لا للغضا ولا الكثب ... بكا الرّزايا سوى بكا الطّرب (٢)

يا عين فى كربلا مقابر قد ... تركن قلبى مقابر الكرب

من البهاليل آل فاطمة ... أهل المعالى والسادة النّجب

كم شرقت منهم السيوف وكم ... روّيت الأرض من دم سرب (٣)

ويقول أبو الفرج عن هذه المرثية إنها مشهورة عند الخاص والعام ويناح بها، كما يقول إنه كان يتشيع تشيعا حسنا (٤)، فتشيعه كان تشيعا معتدلا.

ولم تعرف الشام التشيع المفرط الغالى إلا منذ القدّاح ودعوته الإسماعيلية التى اتخذ لها سلمية بالقرب من حمص وحماة مركزا، وأخذ القرامطة يشيعون هذه الدعوة بين بدو الشام، غير أن دمشق ظلت بعيدة عن التشيع على الأقل حتى أوائل القرن الرابع إذ نجد النسائى صاحب كتاب السنن يلم بها سنة ٣٠٣ وكان يتشيع، فسألوه عن معاوية وما روى من فضائله فأبى أن يفضله، فما زالوا يدفعونه من المسجد، ويقال: داسوه بالأقدام. وخرج من دمشق خائفا يترقب إلى الرملة فمات بها. ويبدو أن الدعوة الشيعية-لقيت لها آذانا صاغية بحلب منذ مطالع القرن الرابع، ويلقانا هناك الصنوبرى المتوفى سنة ٣٣٤ وكان يتشيع-فيما يبدو-تشيعا معتدلا. ونراه يذكر- ما يؤمن به الشيعة من وصية الرسول عليه السلام لعلى بالإمامة بعده، وله مراث فى الحسين تبكيه بكاء حارا من مثل قوله (٥):


(١) الديوان (فى طبعاته المختلفة) وأدب الطف أو شعراء الحسين لجواد شبر ١/ ٢٨٤
(٢) شجر الغضا. من أشجار البادية. يقصد بذكره وذكر الكثبان شعر النسيب
(٣) شرقت: غصت. سرب: سائل.
(٤) أغانى (طبع دار الكتب) ١٤/ ٥١
(٥) أعيان الشيعة ٩/ ٣٥٦ وانظر أدب الطف أو شعراء الحسين ٢/ ١٩

<<  <  ج: ص:  >  >>