للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأضافه إلى ديكارت أن يضيفه إلى أصحابه الحقيقيين من المعتزلة. والمبدأ الاعتزالى أو الكلامى الثانى أشار إليه بيير دانييل هويه إذ قال إن ديكارت أخذ عن أهل الفكر والجدل الإسلاميين مبدأه الفلسفى: «أنا أفكر فأنا موجود» (١) مما يقتضى وجود الله، وحديث المتكلمين والمعتزلة عن وجود الإنسان الممكن ووجود الله الواجب علة وجوده معروف. وبذلك يكون المبدآن أو الأصلان الأساسيان للفلسفة الأوربية اجتلبهما ديكارت اجتلابا مما ترجم فى اللاتينية من كتابات الكلاميين الإسلاميين وخاصة المعتزلة. وقد ذكر المقرى فى (٢) النفح عن شخص يسمى محمد بن خلف أنه كان متكلما متحققا برأى الأشعرية، وأنشد له بيتين فى مديح إمام الحرمين الجوينى المتوفى سنة ٤٣٨ للهجرة، وإعلانه حبه له وإيمانه بعقيدته ومعروف أنه إمام كبير من أئمة الأشعرية.

وإذا كانت الأندلس لم تنتج فى الاعتزال والدراسات الكلامية بحوثا خصبة، فإنها أنتجت عند ابن حزم أروع تاريخ ناقد للأديان والفرق والمذاهب الدينية من إلهية ووثنية بكتابه «الفصل فى الملل والأهواء والنحل» وهو عرض باهر لكل ما يتصل بعلم الكلام فى الإسلام، وفيه ينقض نقضا دقيقا مذاهب الزنادقة وعقائد المجوسية، كما ينقض عقيدة اليهود بمذاهبها الخمسة: السامرية والصدوقية والقراءية والربانية والعيسوية أتباع أبى عيسى الأصبهانى، وينكر صحة العقيدة المسيحية وقواعدها الأخلاقية قائلا إنها جميعا من صنع البشر. ويرى أن الكلمات فى التوراة وفى الإنجيل بعهديه-القديم والجديد- حرّفت عن مواضعها على أيدى أصحابهما من اليهود والنصارى. وينتهى من دراساته المتعمقة فى التوراة والإنجيل وعقائد الوثنيين والمجوس والزنادقة إلى أن الدين الصحيح المنزل من السماء هو الإسلام، ويدلل-ببراهين قاطعة-على صحته وصحة النبوة المحمدية والوحى الإلهى، وكيف أن الله نسخ بالإسلام ما أوحى به قبله إلى أنبياء بنى إسرائيل بما فيهم عيسى، إذ يعدّه-كما يعده المسلمون عامة-نبيا مرسلا.


(١) بالنثيا ص ٥٣٤. وانظر فى مبدأ ديكارت الفلسفى ترجمته فى قصة الفلسفة الحديثة للدكتورين أحمد أمين وزكى نجيب محمود ١/ ١٠٠.
(٢) النفح ٣/ ٣٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>