للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإنما سماها فى البيت الرابع ريما ليجانس بين اسمها والفعل فى آخر البيت، ويقول إن قلبه سقيم مثل طرفها، ويعنى فى البيت السادس بالطباق بين اسوداد الأمانى وابيضاض الهموم، ويقول إن عذابه فى حبها عليه أثارة من نضارتها. وفى رأيى أن السلمى لم يكن على طبيعته حين نظم هذه المقطوعة، ولذلك تكلف فيها ألوانا من التكلف. ويقول:

أغار على الصبّ من أنّبه ... هو الحبّ من يطفه ألهبه

نأى القلب عنى وشوقى معى ... فلله أمرى ما أعجبه

يحنّ فؤادى إلى قاتلى ... كذاك الهوى عند من جرّبه

يجود لمسخطه بالرضا ... ويطلب راحة من أتعبه

إذا شفّ قلبى غرام الهوى ... دعا بالنعيم لمن عذّبه

وهو يقول إن شخصا نزل بالمحب أنّبه، وكأنه لا يعرف أن من يريد أن يطفئ الحب بالتأنيب أو باللوم يشعله، ويعجب أن قلبه رحل مع صاحبته ولا يزال ما كان يختلج فيه من أشواقه معه، وإن فؤاده يحنّ دائما إلى رؤية صاحبته قاتلته شأن المحبّين جميعا. ويجود المحبوب بالرضا لمن أسخطه، ويطلب الراحة لمن أتعبه، ويقول إن الغرام كلما أضنى قلبه وشفّه دعا بالنعيم لمن عذبه. وهى رقة واضحة فى الغزل. ومن قوله فى جمال الأعرابيات بالقياس إلى الحضريات مستلهما المتنبى وإعجابه المعروف بالبدويات:

مها القفر لا دمية المرمر ... وفى العرب لا فى بنى الأصفر (١)

بنفسى يعافير تلك الخيام ... ومسرحها فى النّقا الأعفر (٢)

ملاعب يصبو إليها الحكيم ... ويسلب فيها فؤاد الجرى

وفيها الظباء بنات الأسود ... غيارى متى بغمت تزأر (٣)

فخيس الهزبر كناس الغزال ... به الشّبل ناش مع الجؤذر (٤)

يخالسها نظرا تحته ... غرام به الحىّ لم يشعر

وباللحظ يقدح زند الهوى ... فطرف غر وفؤاد برى

وهو يفضل جميلة القفر البدوية على دمية المرمر الحضرية، ويكفى أن يسميها دمية فليس فيها حيوية البدوية ولا نضرتها، ويقول إنه يفدى بنفسه وروحه ظباء تلك الخيام وملاعبها فى الرمل المغبر. ويقول إنها ملاعب تجذب الرجل الحكيم وتسلب فؤاد الجريء الشجاع، فيها الظباء كريمات الرجال الأسود اللائى إذا صحن ظننت أنهن يزأرن، وكأنما بيت هذا


(١) بنو الأصفر: الروم وأمثالهم من الإسبان.
(٢) اليعافير جمع يعفور: الظبى وولد البقرة الوحشية. النقا: الرمل. الأعفر: المشوب بالعفر والتراب.
(٣) بغمت: صاحت.
(٤) خيس الهزبر: أجمة الأسد. الكناس: بيت الغزال. الجؤذر: ولد البقرة الوحشية.

<<  <  ج: ص:  >  >>