للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واشتعلت بها النيران والحرائق فقد رثاها غير شاعر، ورثى ابن الرومى البصرة حين نكل بها الزنج، وأكثر الأندلسيون من رثاء مدنهم حين سقوطها فى حجور الإسبان، ورثى ابن رشيق وابن شرف القيروان حين أغارت عليها قبائل الأعراب من بنى هلال وسليم فى أواسط القرن الخامس الهجرى وخرّبتها. ولم يحدث شئ من ذلك لمدينة فى السودان، إنما حدثت أحيانا أمطار وسيول هدمت مبانى بعض المدن وأصبحت كثرة أهلها فى العراء سوى من مات منهم وجرفته السيول. ومدينتان حدثت لهما هذه النكبة المروعة هما عطبرة وأم درمان. وكانت نكبة عطبرة سنة ١٩٢١ للميلاد أشد هولا، فقد انقضّت بها كثرة من المنازل، وعمّ البؤس كثيرا من الأسر، وممن رثاها مستصرخا للناس أن يمدوا أهلها بالعون والمساعدات عبد الله كردى، وفيها يقول (١):

يا آل عطبرة تعهّد حيّكم ... وبل بسارية الدموع هطول (٢)

جرف المنازل ثم طوّح بعضها ... فإذا بها فوق الفضاء طلول

لهفى على دور هوى بنيانها ... بالأمس فيه لساكنيه حلول

لهفى على تلك العروش فإنها ... طاحت وأقوى ربعها المأهول (٣)

لهفى على مال غريق ربّه ... متجلّد وفؤاده متبول (٤)

يا معشر الكرماء هل من رحمة ... إنّ الضعيف لفضلكم موكول

إن تنفقوا فالفضل لا ينسى لكم ... أبدا ويحمدكم عليه الجيل

والله يجزيكم ومن يجزى غدا ... عن صالح فصنيعه مقبول

وهو يقول لأهل عطبرة إن منازلكم تعهدها ونزل بها خطب عظيم إذ ظلت ساريات الليل وسحبه تصب عليها سيول المطر التى جرفتها، وطوّحت بها فى الفضاء من حولها، وأصبحت تلك المنازل طلولا خربة، بعد أن كانت عامرة بأهلها. وا حسرتاه على تلك الدور التى خر بنيانها وتلك العروش التى تداعت وأقفرت من سكانها، والأموال التى غرقت فى السيول أمام أعين أصحابها، وهم متجلدون ذاهلون. ويسترحم الكرام لهؤلاء الضعفاء البؤساء، ويقول لهم إن كل ماتوا سونهم به وتنفقونه لن ينسى لكم أبدا، وسيظل هذا الجيل يحفظه لكم ويحمدكم عليه، والله يجزيكم خير الجزاء لهذا العمل البارّ الذى لا شك فى أنه عمل صالح، وسيتقبّله الله منكم. وتنزل بأم دورمان سيول كاسحة ويرثيها مدّثّر اليوشى، ومن قوله (٥):


(١) شعراء السودان ص ١٨١.
(٢) وبل: مطر. سارية السحابة ليلا. هطول: شديد الانصباب.
(٣) طاحت: ترامت: أقوى: أقفر.
(٤) متبول: مذهول.
(٥) شعراء السودان ص ٣٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>