للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومهما يكن فإن إسماعيل كان شذوذا على الموالى أنفسهم فى هذا العصر، وأكبر الدلالة على ذلك أننا نجد بشار بن برد الذى أعلن النزعة الشعوبية فى عهد العباسيين إعلانا قويّا يفتخر فى هذا العصر بمواليه من قيس افتخارا عنيفا (١). ولعل من الطريف أننا نجد بعض الشعراء من العرب يفتخرون بأمهاتهم الأعجميات مثل ابن ميّادة (٢)، ومثل أبى نخيلة الذى يقول (٣):

أنا ابن سعد وتوسّطت العجم ... فأنا فيما شئت من خال وعمّ

ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل دلالة واضحة على بطلان ما يذهب إليه بعض المستشرقين من أن العرب والموالى كانوا يستشعرون العداء بعضهم لبعض فى هذا العصر (٤)، فقد كانوا بنعمة الإسلام إخوانا، وكان كل منهم ينصر صاحبه كلما هتف به أو استغاث، وقد أخذوا ينهضون بجميع صور الحياة نهوضا مشتركا. وحقّا كانت الدولة عربية وكانت تتخذ ولاتها من العرب، ولكنها فسحت للموالى فى شئون الخراج وفى الدواوين حتى بعد أن ترجمت وعرّبت، على نحو ما هو معروف عن سالم مولى هشام وكان رئيس دواوينه، ومثله عبد الحميد الكاتب وكان على رأس دواوين مروان بن محمد.

وربما كان أهم جانب يوضح علاقة العرب بالموالى لهذا العصر وأنها كانت تقوم على البر والتعاون الوثيق نهضتهم جميعا بالدراسات الدينية وما انطوى فيها من وعظ وإمامة للمسلمين فى المساجد، فإننا حين نستعرض هذا الجانب نجدهم لا يقفون مع العرب فيه على قدم المساواة فحسب، بل إنهم يبزّونهم، حتى لتصبح منهم الكثيرة الكثيرة من علماء الدين ودارسيه. وواضح من ذلك كله أن الموالى شاركوا فى الحياة العربية لهذا العصر مشاركة قوية، إذ كانوا يعدّون فعلا عربا، وقد أخذوا ينهضون بالأدب العربى، على أنه أدبهم، فهجروا آدابهم المختلفة من فارسية وغير فارسية، وأخذوا يعبّرون عن عواطفهم ومشاعرهم بلغة القرآن الكريم التى ملكت أزمة قلوبهم واستولت منهم على الضمائر استيلاء.


(١) أغانى ٣/ ١٣٩ والديوان ١/ ٣١٦، ٢/ ٨، ٣/ ٢٥٠.
(٢) أغانى ٢/ ٢٦١.
(٣) البيان والتبيين ٣/ ٢٢٥ والشعر والشعراء ٢/ ٥٨٣.
(٤) قلهوزن ص ٤٧٢ وفى مواضع متفرقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>