للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا ... فلم تلفه إلا مشوبا ممذّقا (١)

وما من حبيب يستزير حبيبه ... يعاتبه فى الودّ إلا تفرّقا

لقد سنّ هذا الحبّ من كان قبلنا ... وقاد الصّبا المرء الكريم فأعنقا (٢)

وكان يمضى فى التغنى بهذا الغزل لا يخجل ولا يستحيى من الجموح فيه، إذ كان جريئا، بل كان عنيفا، وهو عنف نراه فى تتبعه للنساء المتزوجات يتغزل بهن، كما نراه فى ظلمه لمولى لأبيه قتله وسلط عبيده على امرأته، وأيضا فإننا نرى هذا العنف فى هجائه لمحمد بن هشام المخزومى، إذ أخذ يتغزل بزوجه جبرة المخزومية وأمه جيداء بنت عفيف ليفضحه بمثل قوله:

عوجى علىّ فسلّمى جبر ... فيم الصّدود وأنتم سفر

وقوله:

عوجى علينا ربّة الهودج ... إنك إن لا تفعلى تحرجى

أيسر ما نال محبّ لدى ... بين حبيب قوله عرّج

نقض إليكم حاجة أو نقل ... هل لى مما بى من مخرج

فلما ولى محمد إمارة مكة لهشام بن عبد الملك أقامه على البلس وحبسه، وظل فى سجنه تسع سنوات إلى أن مات، وله أشعار كثيرة يأسى فيها على ما صار إليه من عذاب السجن، يقول فيها بيته المشهور:

أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر (٣)

ومما يستجاد له قوله:

ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إن التخلّق يأتى دونه الخلق

ويقال إن الوليد بن يزيد اقتصّ للعرجى من محمد بن هشام المخزومى حين صارت الخلافة إليه، إذ لم يرع حرمة قرشيته ونسبه فى بنى أمية.


(١) أخلق: بلى. ممذقا: مشوبا ومخلوطا.
(٢) أعنق: سار سيرا منبسطا، يريد أن الصبا إذا قاد المرء الكريم انقاد له وجرى فى ميدانه.
(٣) السداد: ما يسد به الخلل. وسداد الثغر: ما يسده من الخيل والشجعان.

<<  <  ج: ص:  >  >>