للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظّنّ للعلم موئلا

وكان أبوه طيّانا يعيش من ضرب اللّبن معيشة تقوم على الشظف، ويقال إنه كان له أخوان: بشر وبشير، وكانا قصّابين يبيعان اللحم، ولم يكونا سويّين إذ كان أحدهما أعرج والآخر أبتر اليد.

وحدّدت آفة بشار حياته منذ نعومة أظفاره، فاتجه إلى المساجد وإلى مربد البصرة ينهل من حلقات العلم والشعر، وأعانته نشأته فى بنى عقيل على أن يتمثل السليقة العربية. ولم يكد يبلغ العاشرة حتى أخذ ينبوع الشعر يسيل على لسانه.

وكان الهجاء حينئذ يضطرم فى موطنه اضطراما لا بين جرير والفرزدق فقط، بل بين جميع الشعراء، فكان طبيعيّا أن يكون أول موضوع ينظم فيه الغلام. ويقال إن أباه كان يضربه بسببه ضربا مبرحا لكثرة ما يشكو الناس منه، وكانت أمه لا تزال تستعطفه عليه، فيقول: إنى لأرحمه، ولكنه يتعرض للناس، فقال له بشار: قل لهم: أليس الله يقول: (ليس على الأعمى حرج). وعادوا إلى برد يرددون شكواهم، فتلا عليهم الآية الكريمة، فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار. واشتد ببشار طموحه إلى إتقان العربية، فيمّم نحو البادية، فأقام فيها فترة مكّنت له فى عربية لسانه وفقهه الدقيق باللغة وشئون البادية.

وعاد إلى البصرة يكثر من الاختلاف إلى حلقات المتكلمين ومجالسهم، كما يكثر من النظم فى المديح وغير المديح، ومن أقدم مدائحه ما نظمه فى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والى العراق لسنة ١٢٦ للهجرة (١). ولما خطب واصل بن عطاء رأس المعتزلة بين يدى هذا الوالى مع بعض الخطباء البلغاء أشاد به وببيانه طويلا (٢)، مما يدل على أن صلة وثيقة كانت منعقدة بينهما، وفى الأغانى أنه كان يحضر مجالسه ويستمع إلى محاوراته مع من يعتنقون مذاهب الثّنويّة المجوسية والدهرية الهندية (٣)، وأكبر الظن أنه تسرب إليه من هذه المجالس وما يماثلها من مجالس المتكلمين شئ من الفلسفة والمنطق، على أن الأمور لم تلبث أن فسدت بينه وبين


(١) الديوان ٣/ ١٧٢.
(٢) البيان والتبيين ١/ ٢٤.
(٣) أغانى ٣/ ١٤٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>