للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حاله، إذ لا يجد الفأر الذى تعوّد أن يصيده، فيفارقه إلى غير مآب، ومن بعض قوله فى ذلك:

ولقد قلت حين أجحرنى البر ... د كما تجحر الكلاب ثعاله (١)

فى بييت من النضارة قفر ... ليس فيه إلا النّوى والنّخاله (٢)

فارقته الجرذان من قلّة الخي‍ ... ر وطار الذباب نحو زباله (٣)

هاربات منه إلى كل خصب ... حين لم يرتجين منه بلاله (٤)

وأقام السّنّور فيه بشرّ ... يسأل الله ذا العلا والجلاله

أن يرى فأرة فلم ير شيئا ... ناكسا رأسه لطول الملاله

قلت صبرا يا ناز رأس السّنا ... نير وعلّلته بحسن مقاله (٥)

قال: لا صبر لى وكيف مقامى ... فى قفار كمثل بيد تباله (٦)

ثم ولّى كأنه شيخ سوء ... أخرجوه من محبس بكفاله

وعلى هذا النحو كان أبو الشمقمق يخلط تصوير تعاسته وتعاسة أمثاله من أفراد الشعب بالفكاهة، وكان ما بنى يصور أحاسيس الفقر وضيق ذات اليد، وكان الناس يقبلون على شعره إقبالا شديدا، حتى ليروى الجاحظ فى الجزء الأول من حيوانه أن منهم من كان ينفق على كتابته نفقة واسعة، متخذا له الجلود الكوفية الثمينة. وفى طبقات الشعراء لابن المعتز أن أبا الشمقمق توفّى فى حدود الثمانين ومائة، ولعل الخبر الذى ساقه عنه والذى يدل على أنه لحق عصر المأمون منحول عليه.


(١) أجحره: أدخله فى الجحر. ثمالة: الثعلب.
(٢) بييت: تصغير بيت. النضارة: النعيم.
(٣) زبالة: موضع فى صحراء الكوفة.
(٤) بلالة العيش: ما يسد الرمق.
(٥) ناز: اسم السنور بالفارسية.
(٦) بيد: جمع بيداء وهى الفلاة. وتبالة: بلدة فى الطريق من الطائف إلى اليمن.

<<  <  ج: ص:  >  >>