للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لها مشتعلة بين جوانحه، وظل يصدر عنها فى قطع مفردة وفى مقدمات مدائحه من مثل قوله (١):

وخلاف الجميل قولك للذّا ... كر عهد الأحباب صبرا جميلا

لا تلمه على مواصلة الدّم‍ ... ‍ع فلؤم لؤم الخليل الخليلا

على ماء الدموع يخمد نارا ... من جوى الحبّ أو يبلّ غليلا

وكانت لدى البحترى قدرة بارعة فى وصف مظاهر العمران، بما أتيح له من دقة فى التصوير والتعبير، ولم يكد يترك قصرا بناه المتوكل دون أن يصفه موجزا أو مسهبا، وبالمثل وصف ما بناه الخلفاء بعده من قصور. ومرّ بنا وصفه الرائع لإيوان كسرى، ومن القصور التى أجاد فى وصفها قصر الكامل الذى بناه المعتز وفيه يقول (٢):

ذعر الحمام وقد ترنّم فوقه ... من منظر خطر المزلّة هائل (٣)

رفعت لمنخرق الرّياح سموكه ... وزهت عجائب حسنه المتخايل (٤)

وكأن حيطان الزجاج بجوّه ... لجج يمجن على جنوب سواحل

لبست من الذهب الصقيل سقوفه ... نورا يضئ على الظلام الحافل (٥)

وقد مضى يصف رخامه وخطوطه المتقابلة وما امتد أمامه من بستان أنيق وما يجرى فيه من مياه دجلة المفضضة ومن نسيم الصّبا الحانى. وكان القدماء يعجبون أشد الإعجاب بوصفه لبركة أقامها المتوكل بأحد قصوره فكانت فتنة للناظرين، وفيها يقول البحترى (٦):

يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها (٧)

تنصب فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها


(١) الديوان ٣/ ١٧٦٧.
(٢) الديوان ٣/ ١٦٤٨.
(٣) المزلة: المزلق.
(٤) منخرق الرياح: مهبها. سموكه: أعاليه.
(٥) الحافل: الكثير.
(٦) الديوان ٤/ ٢٤١٦.
(٧) الآنسات هنا جوارى المتوكل وكانت منازلهن تحفّ بالبركة.

<<  <  ج: ص:  >  >>