للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويصور فزع سيداته الجميلات حين علمن بالخبر الفاجع وكيف انتهكت حرماته ثم يصف القتل والقتلة وصفا مؤثرا. وله مرثية رائعة يرثى بها طائفة من بنى حميد الطوسى خرّوا صرعى فى ميادين الثغور دفاعا عن العرين العربى، وفيهم يقول (١):

قبور بأطراف الثّغور كأنما ... مواقعهم منها مواقع أنجم

مضوا يستلذّون المنايا حفيظة ... وحفظا لذاك السؤدد المتقدّم

وكلّهم أفضى إليه حمامه ... أميرا على تدبير جيش عرمرم (٢)

مساع عظام ليس يبلى جديدها ... وإن بليت منهم رمائم أعظم

والمرثية بكاء حار لهؤلاء الأبطال الذين استشهدوا تحت ظلال السيوف فداء لوطنهم بأرواحهم واستبسالا بعد أن أذاقوا الأعداء كئوس الموت دهاقا.

واشتهر البحترى بإجادته للغزل، ومرّ بنا أنه أحبّ فى شبابه علوة الحلبية وظلت ذكراها لا تبارحه، وظلت تستولى على قلبه، وكانت قد صبت إليه كما صبا إليها وبادلته ودا بود، ثم تزوجها الذفافى كما أسلفنا، فسلت عنه، ولكنه لم يسل عنها، وفى ديوانه مقطوعة يهجوها بها قد يكون نظمها فيها ساعة غضب انتابته، وإن كنا نظن ظنّا أنها منحولة عليه، فقد ظل قلبه لها فى سامرّاء وبغداد كما ارتحل عنها، فهو لا ينى يذكرها بمثل قوله فى مقدمة مدحه للمعتز (٣):

كم ليلة فيك بتّ أسهرها ... ولوعة فى هواك أضمرها

وحرقة والدموع تطفئها ... ثم يعود الجوى فيسعرها

يا علو علّ الزمان يعقبنا ... أيام وصل نظلّ نشكرها

وكأن السنوات الطويلة التى مضت بين حبه لها فى شبابه ومديحه للمعتز وهو فى نحو الخمسين من عمره لم تطفئ لوعته وحرقته، فقد ظلت نار شوقه وحبه


(١) الديوان ٣/ ١٩٤٥.
(٢) عرمرم: كثيف.
(٣) الديوان ٢/ ١٠٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>