للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قمر توافت حوله أقماره ... فحففن مطلع سعده بسعود

كنفتهم الآباء واكتنفت بهم ... فسعوا بأكرم أنفس وجدود

فأمر له المتوكل بمائة ألف درهم وأمر له ولاة العهود بمثلها. ويتولى بعده المنتصر، فيرفع المحنة عن آل أبى طالب ويدفع عنهم الأذى ويردّ عليهم الأمن، ويتغنى شعراؤه بهذا الصنيع، يتغنّى البحترى ويتغنى غيره، ويتغنى شعراء الشيعة من أمثال يزيد (١) بن محمد المهلبى. وسرعان ما يخلفه المستعين، وفيه يقول أحمد بن يحيى البلاذرى (٢):

ولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته ... يظنّ لظنّ البرد أنك صاحبه

وقال وقد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه

ويتولّى الخلافة بعده المعتز، وكان شاعرا مجيدا، ولو امتدت به الخلافة لكان مثل ابنه عبد الله فى خصب ملكاته الشعرية، وقصده كثير من الشعراء، ليأخذوا جوائزه أو ليصبحوا من ندمائه إذ كان صاحب لهو وقصف، فلم يكد يتسلم مقاليد الخلافة حتى فتح أبوابه لهم، وكان ممن دخل عليه وأنشده مهنئا أبو على البصير قائلا (٣):

آب أمر الإسلام خير مآبه ... وغدا الملك ثابتا فى نصابه

مستقرّا قراره مطمئنّا ... آهلا بعد نأيه واغترابه

وتطول مدة المعتمد نحو عشرين عاما أو تزيد سنوات، وكان فيه لهو وانغماس فى الترف، ولكن يده كانت مكفوفة عن المال، كفّها أخوه وولىّ عهده الموفق أشد بنى العباس شكيمة لعصره وأحزمهم بكل معانى الحزم وأروعه. وكأنما اختاره القدر فى عصر أخيه لينازل الزنج وصاحبهم فى ثورتهم العارمة ويقضى عليها قضاء مبرما. فكان طبيعيّا أن ينصرف الشعراء عن الخليفة إلى ولى عهده وأمجاده الحربية فى وقائعه مع الزنج من جهة ومع يعقوب الصفّار من جهة ثانية. وقد صورنا هذه


(١) مروج الذهب ٤/ ٥٢.
(٢) النجوم الزاهرة ٣/ ٩٨.
(٣) مروج ٤/ ٨٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>