للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشعر والكهانة والسحر، وكانوا يزعمون أن الشياطين تنزل على الشعراء كما تنزل على الكهان. وزعموا أن الأعشى كان له شيطان ينفث فى وعيه الشعر يسمّى مسحلا وأن شاعرا كان يهاجيه يسمى عمرو بن قطن، كانت له تابعة من الجن اسمها جهنّام (١).

وظل بعض الشعراء فى الإسلام يزعم أن له تابعا من الجن، ويؤكد الأسطورة أبو النجم فيزعم أن لكل شاعر شيطانا إما أنثى وإما ذكرا، يقول (٢):

إنى وكلّ شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطانى ذكر

وفى أخبارهم أن الشاعر كان إذا أراد الهجاء لبس حلّة خاصة، ولعلها كحلل الكهان. وحلق رأسه وترك له ذؤابتين ودهن أحد شقى رأسه وانتعل نعلا واحدة (٣) ونحن نعرف أن حلق الرأس كان من سنهم فى الحج، وكأن شاعر الهجاء كان يتخذ نفس الشعائر التى يصنعها فى حجه وأثناء دعائه لربه أو لأربابه، حتى تصيب لعنات هجائه خصومه بكل ما يمكن من ألوان الأذى وضروب النحس المستمر.

فالهجاء فى الجاهلية كان لا يزال يقرن بما كانت تقرن به لعناتهم الدينية الأولى من شعائر، ولعلهم من أجل ذلك كانوا يتطيرون منه ويتشاءمون ويحاولون التخلص من أذاه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ونحن نعرف أن الغزو والنهب كان دائرا بينهم، غير أن المغيرين إن أغاروا ونهبوا إبلا بينها إبل لشاعر، وتعرض لهم يتوعدهم بالهجاء اضطرّوا اضطرارا إلى ردها أو على الأقل يردون ماله هو وإبله. يروى الرواة أن الحارث بن ورقاء الأسدى أغار على عشيرة زهير، واستاق فيما استاق إبلا له وغلاما، فنظم زهير أبياتا يتوعده بالهجاء المقذع، يقول فيها (٤):

ليأتينّك منى منطق قذع ... باق كما دنّس القبطيّة الودك


(١) انظر المؤتلف والمختلف ص ٢٠٣ ومادة جهم فى لسان العرب، والحيوان ٦/ ٢٣٦ والقصيدتين رقم ١٥، ٣٣ فى ديوان الأعشى
(٢) الحيوان ٦/ ٢٢٩.
(٣) امالى المرتضى (طبعة عيسى الحلى) ١/ ١٩١.
(٤) مختار الشعر الجاهلى للسقا ص ٢٥٥ وديوان زهير (طبعة دار الكتب المصرية) ص ١٨٣. القذع: القبيح. القبطية: كل ثوب أبيض. الودك: الدسم.

<<  <  ج: ص:  >  >>