للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أستنشد، وبإسبال ستره أستظل، وبإسدال أستاره أستقلّ. . . تقدس سبحانه، وسما إحسانه، واستطال سلطانه، وأستعينه وأستنصره، وأستقيله وأستغفره، وأستعيذه من دسائس إبليس، وسائر التلابيس، وسطوة النفوس، وسؤال المنحوس. . وأسأله التيسير، وسكون الفردوس لا السعير، وأسلم سلاما مستمرا، يتلمّس سيد السادات سنىّ السيرة، حسن السريرة، المخرس بلسنه الملسنين، السالك سبيل أسلافه السائدين».

وتمضى الرسالة فى ألفاظ مبعدة فى الغرابة، كى يدل الكاتب على مهارته، وهى ليست مهارة أدبية، ولكنها مهارة لغوية، وكانوا يعدّونها زخرفا وتنميقا، ونحس كأن الكلمات يرصّ بعضها بجوار بعض فى الرسالة، فهى صفوف سينية، أو هى صناديق سينية، نقرأ فيها سينيات، ولكن لا نقرأ فكرا ولا شعورا، وقد كثر فيها الجناس كثرة مفرطة. وكل ذلك محاكاة للحريرى ومحاولة للدنو من طريقته فى رسالته السينية وبيان القدرة على جمع الكلمات ذوات السين، مع ما يطوى فى ذلك من التصعيب والتعقيد.

ويقول من ترجموا له وكتبوا عن هذه الرسالة إنه كان لها دوىّ بعيد فى الأوساط الأدبية الحضرمية، إذ عدوها طرفة غريبة وظلوا يتداولونها طويلا. على أن الكثرة من رسائل الأدباء الحضرميين لم تكن تغرب هذا الإغراب، بل كانت تكتفى بالسجع، وقلما اصطنعت الألفاظ الغريبة الآبدة.

ونترك حضرموت إلى البحرين، ونلتقى فى كتاب سلافة العصر ببعض رسائل لأدبائها، من ذلك رسالة كتب بها ابن أبى شبابة البحرانى إلى ابن معصوم صاحب الكتاب، ونحس فيها بالتكلف الشديد منذ فواتحها، يقول (١):

«أنهى أبهى سلام، شدت بنغمات السرور أطياره، وبدت على صفحات الدهور أنواره، وأصلح دعاء تعاضدت شرائط إجابته، وترادفت وسائط إصابته، وسمت مصاعد قبوله، ونمت فوائد فروعه وأصوله، وأنفس ثناء ثنيت بالوفاء وسائده ومسانده، وبنيت على الولاء قواعده ومقاعده، وخالص إخلاص حديث خلوصه قديم، وحظ خصوصه مستقيم، أخدم به. . شمس سماء المحامد والفضائل، وغرّة سماء الأماجد والأفاضل، ديباجة صفحتى الشرف والفتوة، ونتيجة مقدمتى الولاية والنبوة، صاحب ذيول العز الشامخ، وصاحب أصول المحتد الباذخ، مربع الكرم والجود، ومرتع الآمال والمقصود، الذى نيطت أعمدة فضائل أحسابه الفضائل أحسابه الفائقة بسلاسل أنسابه السامقة، وأصبحت كعوب أعراقه فى الكرم متناسقة، وشعوب أخلاقه فى الهمم متوافقة».


(١) سلافة العصر ص ٥٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>