للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السّراجيات، وله مصنفات مختلفة وكان شاعرا مطبوعا، واستغلّ موهبته الشعرية فى نظم كتب الفقه مثل كتاب المبتدى وكتاب مناسك الحج وكتاب الخرقى وكتاب التنبيه. وأهم كتبه وأشهرها كتاب مصارع العشاق، وهو فى أخبار العبّاد والنساك، وبه أشعار كثيرة تفيض بوجد مبرح. وكان حنبليا حمل عنه الحديث كما حملت القراءات ويقول ابن الجوزى «حدثنا عنه أشياخنا، وآخر من حدثنا عنه شهدة بنت الإبرىّ، قال: وقرأت عليها كتابه المسمى بمصارع العشاق بسماعها منه» ويقول ابن خلكان عن شهدة:

«بغدادية المولد والوفاة كانت من العلماء، وسمع عليها خلق كثير، واشتهر ذكرها وبعد صيتها (١)». وقد جعل السراج كتابه «مصارع العشاق أجزاء، وكتب على كل جزء أبياتا، من ذلك قوله على الجزء الأول:

هذا كتاب مصارع العشّاق ... صرعتهم أيدى نوى وفراق

تصنيف من لدغ الفراق فؤاده ... وتطلّب الراقى فعزّ الراقى

وكان تقيا ورعا يغلب عليه الزهد مع حسن الطريقة ومع الظرف ولطف الأخلاق.

وأكثر أشعاره فى نظم كتب الفقه كما مرّ بنا وفى الزهد، والتخلص من درك الهوى إلى ذرى الهدى، والترفع عن اللذات البدنية، والشهوات الدنيّة، ومن قوله:

أفلح عبد عصى هواه ... وفاق فى دينه وكاسا (٢)

ولم يرح مدمنا لخمر ... ينهل طاسا يعلّ كاسا (٣)

فهو يدعو الإنسان إلى عصيان هواه وأن يكون كيّسا فلا يقع فى الخطايا والزلات ويحفظ نفسه من الخمر أو المنكرات، وبذلك يرتقى فى درجات الهدى بقمعه لشيطانه وأمانه من غائلته. وله شعر وجدانى من مثل قوله يصوّر حنين ناقته لمنازلها فى نجد والحجاز:

قضت وطرا من أرض نجد وأمّت ... عقيق الحمى مرخى لها فى الأزمّة (٤)

وخبرّها الروّاد أنّ لحاجر ... حيا نوّرت منه الرياض فحنّت (٥)

ولاح لها برق من الغور موهنا ... كشعلة نار للطوارق شبّت (٦)


(١) ابن خلكان ٢/ ٤٧٧.
(٢) كاس: أصبح كيّسا حكيما حصيفا.
(٣) النهل: الشرب الأول. الطاس: إناء الخمر ومثله الكاس. العلل: الشرب الثانى.
(٤) أمت: قصدت.
(٥) حاجر: من منازل الحجاز. حيا: غيثا.
(٦) الغور: غورتهامة وهو ما انحدر منها غربا. موهنا: بعد نصف الليل. الطوارق: الضيوف.

<<  <  ج: ص:  >  >>