للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان فتيان يمدح بجانب صلاح الدين بعض قواده وكاتبه عماد الدين الأصبهانى والأفضل نور الدين وأخاه غازى صاحب حلب منذ أعطاها له أبوه سنة ٥٨٢ حتى وفاته سنة ٦١٣. أما مودود بن المبارك فله فيه أكثر من عشرين قصيدة، ويقول مترجموه إنه عهد إليه-فيما عهد- بتعليم أولاده الخط والعربية. ونراه حين أصبح العادل مالك زمام الدولة الأيوبية بعد أخيه صلاح الدين يخصه ببعض مدائحه ويكثر من مديح وزيره المصرى صفى الدين بن شكر، ويبدو أنه كان يرسل إليه بمدائحه، لأنه لم يغادر الشام طوال حياته. وكان العادل قد جعل دمشق لابنه المعظم عيسى، وله فيه عشر مدائح، كما أعطى العادل ابنه الأشرف موسى الرها والجزيرة وله فيه نحو خمس عشرة مدحة. ومدح كثيرين من البيت الأيوبى فى مقدمتهم صاحب حماة تقى الدين عمر (٥٧٤ - ٥٨٧ هـ‍) أعطاها له عمه صلاح الدين، ومدح صاحب بعلبك فرّوخشاه (٥٧٥ - ٥٧٨ هـ‍) وابنه بهرام شاه (٥٧٨ - ٦٢٧ هـ‍). وعلى هذا النحو ظل يقدم مدائحه للأيوبيين حتى وفاته بدمشق سنة ٦١٥. وقد أنشدنا له فى حديثنا عن شعراء التشيع أشعارا تدل بوضوح على تشيعه. وطبيعى-وهو شاعر مدح كبير-أن تكون له مراثى لمن لبى نداء ربه من ممدوحيه، وخاصة من كان وثيق الصلة بهم، وكذلك لكبار رجال زمنه وشيوخه وعلمائه الأعلام. ومن أروع مراثيه مرثيته لشيخه الحافظ المؤرخ ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١، ويقول العماد الأصبهانى إنها مشتملة على حقيقة الشيخ وطريقته ووفائه ووفاته، وفيها يقول:

أىّ ركن وهى من العلماء ... أىّ نجم هوى من العلياء

إنّ رزء الإسلام بالحافظ العا ... لم أمسى من أعظم الأرزاء

أقفرت بعده ربوع الأحادي‍ ... ث وأقوت معالم الأنباء

كان من أعلم الأنام بأسما ... ء رجال الحديث والعلماء

كان علاّمة ونسّابة لم ... يخف عنه شئ من الأشياء

أنت أعلى من أن تحدّ بوصف ... بلغته بلاغة البلغاء

وفتيان فى المرثية محزون الفؤاد مكبر لفجيعة دمشق فى محدّثها الذى لا يبارى ومؤرخها الذى لا يجارى. وهو فى البيت الثانى يصور فى ألم إقفار المدرسة النورية من محدثها الأكبر وإقواء أو إقفار دمشق من مؤرخها العظيم صاحب تاريخها الذى يقال إنه كان يقع فى ثمانين مجلدا. وحقا كان من أعلم علماء عصره-إن لم يكن أعلمهم-بالحديث النبوى ورجاله وبتاريخ دمشق وأعلامها من

<<  <  ج: ص:  >  >>