للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العلم، وشاركتها القبطية وخاصة فى الطقوس الدينية والكتابات التاريخية، وأخذت تشاركها قبيل الفتح العربى اللغة السريانية التى كانت منتشرة فى الأديرة وخاصة فى مجال الطب، وفى ذلك يقول بتلر: «قد كان ثمة اتصال خاص بين لغة السريان ودراسة الطب وأنه لا يبعد أن أعظم كتب الطب فى القرنين السادس والسابع (للميلاد) كانت باللغة السريانية، ولا شك أن تلك اللغة كانت ذائعة بين الناس وأن آدابها كانت دائما تدرس فى الإسكندرية» (١).

ومر بنا فى الفصل الماضى أن الحكم الرومانى فى مصر قبيل الفتح العربى كان لا يطاق لاضطهاد القبط دينيا ولإرهاقهم بالضرائب الباهظة، ولذلك عدّ القبط العرب مخلّصين لهم من نير هذا الحكم الجائر الظالم. وكل شئ يؤكد أن مصر استبقت حينئذ كل ما كانت قد حصلت عليه من علوم ومعارف، ولا سيما فى الطب. وليس بصحيح ما قيل من أن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية حين افتتحها، فقد دحض هذا القول بتلر وأثبت بالدليل القاطع بطلانه لما مر من أن مكتبة الإسكندرية الكبرى إنما أحرقت تاريخيا فى عهد يوليوس قيصر قبل دخول العرب مصر بنحو ستة قرون، بينما أحرقت مكتبتها الصغرى قبل أن تخفق رايات العرب فى ربوع مصر بنحو قرنين ونصف (٢)، وإذن فالقول بأن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية افتراء ليس له أى أساس تاريخى.

ومعروف أن الإسلام دفع أمته فى كل مكان إلى العلم والتعلم، وليس بين أيدينا ما يكشف كشفا تاما الحركة العلمية بمصر فى عصر الولاة ولكن هناك دلائل كثيرة تدل على أنه انبعثت فيها حركة علمية إسلامية عربية قوية، فبمجرد أن فتحت مصر أخذ بعض الصحابة يتجرّدون لإقراء المسلمين القرآن وعرض بعض الأحاديث النبوية عليهم ليقفوا على تعاليم دينهم، وكانوا يفتونهم فى بعض المسائل حتى يميزوا الحلال من الحرام، ويعظونهم مذكرين لهم باليوم الآخر وما عند الله من الثواب الآجل. ونهض بهذا الجهد العلمى طبقات من الصحابة الفاتحين لمصر ومن التابعين ومن جاءوا فى إثرهم. وفى كتاب حسن المحاضرة للسيوطى أثبات طويلة بأسماء القراء والمحدّثين والفقهاء


(١) انظر فى هذا النص وما تقدمه من حديث كتاب فتح العرب لمصر تأليف بتلر (الترجمة العربية) ص ٨٣ وما بعدها وراجع مقال ماكس ما يرهوف عن مدرسة الإسكندرية وانتقالها إلى بغداد فى كتاب التراث اليونانى لعبد الرحمن بدوى، وقد فصل القول فى نشاط هذه المدرسة العلمى حتى الفتح العربى.
(٢) بتلر ص ٣٤٨ وما بعدها وقارن بصفحة ٨٣ وما كتبه فى الفصل الثامن وبمقال؟ ؟ ؟ ماكس ما يرهوف فى التراث اليونانى.

<<  <  ج: ص:  >  >>