للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والزوجات والإخوة، ونلتقى بابن عبد ربه ملتاعا لفقد ابنين له هصر الموت غصن أكبرهما وهو فى ريعان شبابه، أما الثانى فكان صبيا لم يبرح زمن الطفولة، وله فيهما مراث مختلفة، ومن قوله فى الشاب ملتاعا بعد فترة من موته (١):

بليت عظامك والأسى يتجدّد ... والصّبر ينفد والبكا لا ينفد

يا غائبا لا يرتجى لإيابه ... ولقائه دون القيامة موعد

ما كان أحسن ملحدا ضمّنته ... لو كان ضمّ أباك ثمّ الملحد

باليأس أسلو عنك لا بتجلّدى ... هيهات أين من الحزين تجلّد

وهو يقول إن حزنه يتجدد وصبره ينفد والبكاء لا ينفد لغياب ابنه غيابا لا أوبة بعده إلى يوم القيامة، ويتمنى لو كان دفن معه. ويقول إنه يسلو عنه باليأس من لقائه، لا بتجلده، فلم يعد له تجلد ولا صبر. وكثير من الزوجات الأندلسيين كن قرّة أعين لأزواجهن، ونرى كثيرين من الشعراء يلتاعون لوعة شديدة حين يختطف الموت منهم زوجاتهم، من مثل قول أبى إسحق الإلبيرى يبكى زوجته (٢):

عج بالمطىّ على اليباب الغامر ... واربع على قبر تضمّن ناظرى (٣)

واقرا السلام عليه من ذى لوعة ... صدعته صدعا ما له من جابر

ولو آننى أنصفته فى ودّه ... لقضيت يوم قضى ولم أستأخر (٤)

وشققت فى خلب الفؤاد ضريحه ... وسقيته أبدا بماء محاجرى (٥)

وهو ينادى صاحبه أن يقف الركب على قبر محبوبته ويقرأ عليه السلام من ملتاع صدعت بفراقها قلبه صدعا لا يمكن أن يلتئم، ويقول إنه كان من الإنصاف أن ألحد معها فى قبر واحد، فإن لم أمت شققت لها فى سويداء الفؤاد ضريحا وسقيته أبدا بدموعى المنهلّة.

ومات لمعاصره فقيه الأندلس المشهور أبى الوليد الباجى ابنان مغتربان فندبهما ندبا حارّا بقوله (٦):


(١) الييمة للثعالبى ٢/ ٧٦.
(٢) الديوان (تحقيق د. محمد رضوان الداية-طبع دمشق) ص ٧٤.
(٣) عج: اعطف. اليباب: القفر. الغامر: المغمور بالتراب. اربع: قف.
(٤) قضيت هنا: مت.
(٥) خلب الفؤاد: حجابه. محاجر العينين: ما يحيط بهما.
(٦) المغرب ١/ ٤٠٥ وانظر أيضا فى ترجمة أبى الوليد الذخيرة ٢/ ٩٤ ومعجم الأدباء ١١/ ٢٤٦ وابن خلكان ٣/ ٤٠٨ والقلائد ١٨٨ والصلة ١٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>