للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إسماعيل، وما تدخل سنة ٤٤٥ حتى يأمر المعتضد ابنه إسماعيل بغزو قرطبة، ولم يكن البزليانى-كما سنرى-يرتضى سياسة المعتضد فى غزو جيرانه، بينما يرضخ خاضعا لنصارى الشمال، وأغوى إسماعيل بمخالفة رأى أبيه، وخوّفه من إسراع باديس أمير غرناطة بنجدة بنى جهور فى قرطبة، فيقع بين فكّى أسدين يمضغانه. وكان المعتضد أبوه يعامله بقسوة وفظاظة فرأى أن ينصرف من طريقه بجيشه إذ تعاظمه الهجوم على قرطبة مع قرب حلي أمرائها باديس أمير غرناطة منهم كما ذكرنا. ويقال إن البزليانى مضى فى استغوائه له وإنه أشار عليه بهربه من أبيه ودبّره، وتطورت الظروف، فقتل المعتضد البزليانى لما وقر فى نفسه من أنه هو الذى أغواه، وقتل بعده ابنه. هكذا يقول الرواة ونظن ظنا أن المعتضد استدرج البزليانى للعمل فى دواوينه، وهو يبيّت له هذا المصير المحتوم، لما عرف عنه من إنحائه على أمراء الطوائف باللوم-فى رسائله-منذ كان عند حبوس-على سياستهم وحربهم بعضهم لبعض واستعانتهم فى ذلك بنصارى الشمال، ليغرسوا حرابهم فى صدور إخوانهم المسلمين. وليس ذلك غريبا على المعتضد فقد كتب إليه أصدق أصدقائه أبو حفص عمر الهوزنى يحضه على جهاد النصارى فاستدرجه، ووضعه بأعلى محل، وعوّل عليه فى العقد والحل، حتى إذا مضى عليه عامان باشر قتله بيده (١)، فكان طبيعيا أن يفتك بالبزليانى، حتى لو لم يتصل بابنه إسماعيل، لحملته العنيفة على سياسته وسياسة أنداده من أمراء الطوائف، على نحو ما يتضح من رسالة أرسل بها -كما يقول ابن بسام-عن حبوس إلى يحيى بن منذر التجيبى أمير سرقسطة: وفيها يقول:

«اتصل بى ما وقع بينك وبين المؤتمن (المنصور (٢) الأصغر عبد العزيز) أمير بلنسية (٤١٧ - ٤٢٥ هـ‍.) والموفق مجاهد (أمير دانية) (٤١٣ - ٤٣٦ هـ‍.) وعضد الدولة (أمير إشبيلية)، وأنكم اضطررتم إلى إخراج كل فريق منكم النصارى إلى بلاد المسلمين، فعظم قلقى، وكثر على المسلمين شفقى، فى أن يطأ أعداؤهم بلادهم، ويوتموا أولادهم. . ولو لم تكن الفتنة-يا سيدى-إلا بين المسلمين والتشاجر إلا بين المؤمنين لكانت القارعة العظمى، والداهية الكبرى، فإذا تأيّدنا بالمشركين، واعتضدنا بالكافرين، وأبحناهم حرمتنا، ومنحناهم قوتنا، وقتلنا أنفسنا بأيدينا، وأدّتنا إلى النّدم مساعينا، كانت الدائرة


(١) المغرب ١/ ٢٣٩ وما بعدها.
(٢) انظر فى تلقيب المنصور الأصغر بهذا اللقب الذخيرة ١/ ١٩٣، ٢٠٣، ٢٠٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>