للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا تقتصر على شخص واحد فى رفع مسائل الرعيّة والمتظلمين، ولا تقف عند مراده فيهم، واتخذ ثقات صادقين مصدّقين لهم فى جانب الله أوفر نصيب».

والوصية طويلة، وهى أشبه بدستور يضعه لولى عهده، ليتمسّك به فى حكمه من بعده، وواضح أنه يطلب إليه أن يكون محمود السيرة وأن يجعل رضا الله نصب عينيه فى تدبير أمور رعيته وإذا نزلت به شدة استعان بالصبر والحزم وبرؤساء الدولة ونبهائها المجربين وعمل بمشورتهم ونصيحتهم، ويحذّره من الاستماع إلى من يتملقونه فى حاشيته زورا وبهتانا ابتغاء القربى إليه والزلفى لديه، والحاكم الحصيف يبعد عنه هؤلاء المنافقين المرائين. ويوصيه بتفقد أحوال الرعية وأن لا يغفل عن مصالحها ولا يتسامح مع من يعتدى عليها ويسارع إلى كشف كل ملمة تتعرض لها، ويأخذ على يد كل ظالم، ولا يقتصر فى رفع مسائل الرعية إليه على شخص بعينه خشية أن يكون مغرضا فيما يعرض عليه، لذلك ينبغى أن يشرك معه آخر أو آخرين، حتى لا يتعرض فى فهم هذه المسائل لغش أو خديعة، وينبغى أن تكون حاشيته مؤلفة من ثقات صادقين لا يحوم حولهم شك أو ريبة.

ونرى ابن خلدون حين نزل القاهرة سنة ٧٨٥ هـ‍/١٣٨٤ م يجلس للتدريس بالجامع الأزهر ويتصل بالسلطان المملوكى برقوق فيكرمه ويوفر له الراتب شأنه مع أهل العلم، ويتوفى البساطى أستاذ المدرسة القمحية المالكية، فيعينه مكانه فى شهر المحرم سنة ٧٨٦ هـ‍/١٣٨٥ م ونراه فى يوم جلوسه للتدريس بها يخطب خطبة طويلة يستهلها بالحمد لله مطيلا فى نعوته القدسية كما يطيل فى الصلاة على الرسول والرضا عن آله وصحبه، ويتحدث عن الملة الإسلامية وانتصار أهلها على الفرس والروم وفتوحهم العظيمة، ويشيد طويلا بملوكها وبدولة المماليك ونصرتهم للإسلام وإنشائهم للمدارس وتعميرهم للمساجد وعنايتهم بالعلم والعلماء ويشيد بالسلطان برقوق وأعماله وأفضاله عليه. وخلت وظيفة أستاذ الحديث فى مدرسة صرغتمش بجوار جامع ابن طولون، فولاه برقوق تلك الوظيفة فاختار كتاب الموطأ للإمام مالك ليحدث به للطلاب فى شهر المحرم سنة ٧٩١ هـ‍/١٣٨٩ م وحين جلس للتدريس بها ألقى خطبة طويلة، وبعد حمد الله فيها والصلاة على رسوله والثناء على السلطان برقوق قال إنه قرّر للقراءة فى دروسه كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس لأنه من أصول السنن وأمهات كتب الحديث، وأفاض فى الحديث عن مالك ونشأته وسيرته وتأليفه لكتابه الموطأ، ثم أخذ يعدّد الطرق لرواية تلامذة مالك عنه الكتاب، وانتقل إلى بيان سنده للكتاب والشيوخ الذين أخذه عنهم بتونس والأندلس والمغرب فى بلدانه المختلفة، ويذكر مع كل طائفة منهم شيوخهم وسندهم فى الرواية، ويضيف طرقا أخرى، مما جعل سامعيه فى هذا المجلس يرمقونه بالثجلة إلى أبعد مدى. وإنما أطلت فى بيان ذلك لأدل على أن علماء تونس-فيما يبدو-كانوا يأخذون فى

<<  <  ج: ص:  >  >>