للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولايته أو إمارته فى بلرم مقصد الشعراء والأدباء والعلماء، وهو ممدوح الشاعر الجزائرى المشهور ابن قاضى ميلة، وما زال يسوس الجزيرة وأهلها خير سياسة حتى أصابه الفالج سنة ٣٨٨ وعطّل جانبه الأيسر، واتفق الناس معه على تسليم صولجان الحكم لابنه جعفر، وثار عليه أخوه على وانضمّ إليه البربر والعبيد، وانتصر عليه جعفر فقتله، وأمر بقتل العبيد ونفى الجند البربرى من صقلية، وجعل جنده جميعا من أهل صقلية المسلمين، فقلّ بذلك جنده-كما يقول البكرى-وأعدّ لانهيار ملكه. وسخط عليه أهل صقلية لتغاضيه عن كاتبه حسن الباغانى فى عسفه فى جباية الضرائب، وزادهم سخطا عليه استخفافه بشيوخ بلرم: فحاصروه وشدّدوا الحصار عليه، فخرج إليهم أبوه فى محفّة، وكانت له عندهم منزلة رفيعة، فاحتفوا به، وطلبوا إليه أن ينصفهم منه، واتفق معهم على أن يعزله من ولايته عليهم ويولّى أخاه الأكحل، وارتضوه أميرا بعد أخيه، ولم يلبث الأكحل أن أشرك ابنه جعفرا معه فى الحكم، وكان غرّا تنقصه الخبرة، فاتبع سياسة حمقاء هى التفرقة بين الإفريقيين والصقليين فى المعاملة المالية، واستجار الصقليون من ظلمه بالمعز بن باديس حاكم إفريقية التونسية سنة ٤٢٧ فأرسل معهم ابنه عبد الله فى جيش عداده ستة آلاف نصفه من الفرسان، وانضم إليه أهل الجزيرة، وسرعان ما ندموا وتنكروا لعبد الله بن المعز، فعاد مع جيشه إلى إفريقية، وولّوا عليهم صمصام الدولة شقيق الأكحل. ولم تطل مدته، إذ ثار عليه أهل بلرم، وخلعوه.

وتدخل صقلية بعد خلع الصمصام فى عهد يمكن أن يسمى عهد أمراء الطوائف، وفيه ضاعت كل ممتلكاتها فى قلوريّة بإيطاليا، وأخذ قواد الثورة على الصمصام يستقلون ببلدانهم مكونين فيها إمارات، وكانت بلرم من نصيب محمد بن الثمنة أحد القواد، وضمّ إليه مدينة سرقوسة، واستقل ابن متكود من قواد الثورة بمدن: مازر وطرابنش والشاقة ومرسى على فى الغرب والجنوب الغربى، واستقل ابن الحواس على بن نعمة من قواد الثورة أيضا بمدينتى قصريانة وجرجنت، وتفاقمت الفتن وسوء الأحوال فى الجزيرة، ونشبت الحروب بين هؤلاء الأمراء، وأشدّها ما كان بين ابن الثمنة وعلى بن نعمة. وهزم ابن الثمنة هزيمة ساحقة سنة ٤٤٤ هـ‍/١٠٥٢ م فاستغاث بالنورمان، وكان ذلك إيذانا قويا بضياع الجزيرة من أيدى المسلمين.

<<  <  ج: ص:  >  >>