للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عملت فى مناجم الذهب بوادى العلاقى الممتد من أسوان إلى عيذاب، واستطاعوا أن يدخلوا فى الإسلام من البجة عشائر معروفة باسم الحدارب، ويقول المسعودى هم وحدهم الفئة المسلمة فى البجة لزمنه سنة ٣٢٤ هـ‍/٩٣٥ م ويدل على كثرتهم أن أحد زعماء ربيعة هناك بشر بن إسحاق كان يركب فى ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألفا من مقاتلة البجّة وكلهم من الحدارب. وكانت لغة أهل البجة حاميّة وتسمى التبداوية، وكانوا ينتشرون من عيذاب إلى كسلا، وأخذ الإسلام-ومعه العربية-ينتشر بينهم مع مر الزمن، ودخلت لغتهم من العربية ألفاظ كثيرة، ولا يزال بعض البجاويين وخاصة فى الغرب يحتفظون بالتبداوية مع تكلمهم بالعربية، يقول نعوم شقير عن قاطنى «سواكن» من البجة إنهم يتكلمون البجاوية فى منازلهم ومجالسهم الخاصة، ولكنهم فى المجالس العامة يتكلمون العربية.

وظلت مملكة مقرة النوبية المسيحية تقاوم الإسلام والعروبة قرونا، وتغير على ميناء عيذاب المصرى وأسوان فى عهد الظاهر بيبرس، فيرسل إليها حملة تأديبية، وتتغلغل فى ديارها حتى دنقلة، ويفرض عليها ولاءها لمصر وأن يكون ملكها نائبا فى النوبة عن بيبرس، ويولّى عليها نائبا له ملكا مسيحيا من أهلها وتظل تحاول الاستقلال عن مصر فى عهد قلاوون وتتطور الظروف فى عهد ابنه الناصر ويولّى عليها سنة ٧١٦ هـ‍/١٣١٦ م ملكا مسلما من نفس الأسرة المالكة. وسرعان ما استولت على مملكة مقرة النوبية قبيلة ربيعة ونشرت بها الإسلام وبذلك انمحت مملكة النوبة المسيحية نهائيا، وظلت مملكة علوة المسيحية جنوبيها تحاول مقاومة النفوذ الإسلامى إلى أن قضت عليها نهائيا دولة الفونج الإسلامية. ومعروف أن اللغة النوبية إحدى اللغات الحامية فى السودان. ولا يزال أهل بعض مناطقها يستخدمونها فى حياتهم اليومية، ودخلها كثير من الألفاظ العربية حتى لتبلغ كما يقول الدكتور عبد المجيد عابدين ثلاثين فى المائة من مجموع ألفاظها وكانوا يستعملون معها العربية.

وعوامل متعددة جعلت غربى السودان يعتنق الإسلام، منها نزول تجار مملكة البرنو والكانم الإسلامية فى أسواق دارفور وكردفان، ومنها مرور حجاجهم بتلك المنطقة ورؤيتهم لهم وهم يفرشون سجاجيدهم ويصلون داعين الله أدعيات مختلفة، ومنها هجرة كتلة ضخمة من قبيلة زوارة المغربية المسلمة ومن عرب الشاوية (رعاة الشاة) إلى إقليمى دارفور وواداى فى القرن الخامس الهجرى، وقد كونوا مملكة إسلامية كبيرة، كان من ملوكها الملك سليمان وشملت مملكته الكانم وواداى وشطرا كبيرا من دارفور. وكانت تسود فى الغرب لغات حامية وبربرية على ألسنة المهاجرين إلى الغرب من زوارة وعربية على ألسنة الشاوية ونوبية على ألسنة التنجور المهاجرين من دنقلة إلى دارفور. واختلف أهل الغرب، منهم من يتكلم العربية إلى جانب لغته الأصلية: البربرية أو النوبية أو الحامية بجانب العربية، ومنهم من يتكلم العربية وحدها مثل سكان قبيلة القمر إلا ما كان من جماعة أبى جوخة.

<<  <  ج: ص:  >  >>