للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعلى هذا النحو كانت خطابة الرسول عليه السلام متممة للذكر الحكيم، ومن ثمّ كانت فرضا مكتوبا فى صلاة الجمع والأعياد ثم مواسم الحج، وتحتفظ كتب الحديث بما اتخذه فيها من سنن وتقاليد (١) ثبتت إلى اليوم. وبينما كانت تسبق الخطابة الصلاة فى الجمع كانت الصلاة تسبقها فى الأعياد، وهى تتوزع على خطبتين يقف فيهما الخطيب على منبر أو نثز من الأرض، وقد اعتمد على قوس أو سيف أو عصا، ويقبل على الناس مسلّما. وتبدأ الخطبة الأولى فى الجمع بحمد الله تعالى وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله، ويؤثر عن الرسول أنه كان يقول فى فاتحة هذه الخطبة: «الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل الله فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (٢). وعادة يتلو الخطيب فى الخطبة الأولى لصلاة الجمعة بعض آى القرآن الكريم، حتى يستلهمها فى موعظته. وإذا انتهى منها جلس، ثم يقوم للخطبة الثانية، وفيها يكثر من الدعاء، ويقال إنه كان آخر دعاء أبى بكر فى الخطبة الثانية:

«اللهم اجعل خير زمانى آخره، وخير عملى خواتمه، وخير أيامى يوم لقائك» وكان آخر دعاء عمر: «اللهم لا تدعنى فى غمرة، ولا تأخذنى فى غرّة، ولا تجعلنى مع الغافلين» (٣). ولا تفتتح خطبتا العيدين بالحمد لله إنما تفتتح بالتكبير، فيكبّر الخطيب فى أولاهما سبع تكبيرات وفى ثانيتهما خمس تكبيرات.

وطبيعى أن تقضى هذه الخطابة على كل لون قديم من الخطابة الجاهلية لا يتفق وروح الإسلام، ولا نقصد سجع الكهّان الذى كان يرتبط بدينهم الوثنى فحسب، بل نقصد أيضا خطابة المنافرات، فقد نهى الإسلام عن التكاثر بالآباء والأنساب والأحساب، وإن ظلت لذلك بقية فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم حين كانت تفد عليه وفود العرب، على نحو ما نعرف عن وفد تميم وقيام خطيبهم عطارد بن حاجب بن زرارة بين يديه مفاخرا بقومه،


(١) انظر فى صلاة الجمع والعيدين كتب الحديث مثل صحيح البخارى ومسلم.
(٢) عيون الأخبار ٢/ ٢٣١.
(٣) انظر العقد الفريد ٣/ ٢٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>