للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالغناء العربى، ثم يرحلوا إلى بلاد الفرس والروم فيأخذوا عنهما غناءهم، ويدخلوا ألحانه فى غناء العرب. ومما يدل على ما نزعم أن أكثر الآلات الموسيقية التى يتردد ذكرها فى هذا العصر تديم مثل الصّنج والمزهر والقضيب والدفّ والطبل والمزمار، وحتى آلات العود والطمبور عرفت فى العصر الجاهلى.

على كل حال نهضت المدينة فى هذا العصر بفن الغناء نهضة واسعة، وشاركتها فى ذلك مكة كما سنرى بعد قليل، ولا نغلو إذا قلنا إن البلدتين جميعا لم تبقيا إلا قليلا للعصور التالية كى تضيفه إلى نظريته التى استحدثتاها. وقد أقبل أهل المدينة على هذا الغناء إقبالا شديدا، يشترك فى ذلك عامتهم وخاصتهم وعبّادهم وزهادهم (١) وقضاتهم (٢)، حتى لتؤثر عن عمر بن عبد العزيز أصوات تغنّى بها فى إمارته لهم (٣). وكان من أشرافهم من جعل داره أشبه بفندق للمغنين والمغنيات، على نحو ما هو مأثور عن عبد الله بن جعفر وقصد الناس لداره يسمعون بها ألوان الغناء (٤)، وقد تخرج فى هذه الدار كثيرون من المغنيات والمغنين المطربين.

ومن كبار المغنين الذين اشتهروا بالمدينة فى هذا العصر طويس وهو أول من تغنى بها الغناء المتقن (٥) وأول من صنع الهزج والرّمل فى الإسلام (٦)، وسائب خاثر مولى ابن جعفر وهو ممن نقلوا ألحان الفرس إلى الغناء العربى (٧) ومعبد وهو إمامهم فى الغناء غير منازع، وابن عائشة ومالك الطائى وعطرّد ويونس الكاتب وينسب إليه أول كتاب فى الغناء والأغانى ونسبتها إلى أصحابها.

ومن أشهر المغنيات عزة الميلاء وجميلة وسلاّمة القسّ وحبابة وسلاّمة الزرقاء.

ولعل من الطريف أن نعرف أنه كانت هناك دور مخصصة للسماع يفد عليها شباب المدينة كل ليلة، وأشهر هذه الدور دار جميلة، وكانت تكتظ


(١) أغانى ٢/ ٢٣٨، ٤/ ٢٢٢، ٨/ ٢٢٤.
(٢) أغانى ٨/ ٢٧٧.
(٣) أغانى ٩/ ٢٥٠.
(٤) المسعودى ٥/ ٣٨٥.
(٥) أغانى ٣/ ٢٩.
(٦) أغانى ٤/ ٢١٩.
(٧) أغانى ٨/ ٣٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>