للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المادى الصريح فى مدن الحجاز وانتشار الغزل العذرى العفيف فى نجد وبيئات البوادى إلا بردّ ذلك إلى نعومة العيش وما كان ينعم به سكان تلك المدن من ثراء عريض ثم ما كان فيه سكان نجد والبوادى من شظف العيش وخشونته، ولا ننكر أثر الإسلام فى نفوسهم، غير أننا لا ننكر أيضا أثر نظام الحياة الاقتصادى ومدى عمله فى النفوس. وبالمثل نحن لا نستطيع تفسير شيوع المديح فى العراق وخراسان وما كان يهبط منه إلى دمشق إلا بردّ ذلك إلى ظهور طبقة ضخمة من الأثرياء كانت أخلاطا من الحكام الذين أداروا شئون الدولة فى الخراج وغير الخراج ومن الأغنياء الذين ملكوا الإقطاعات، بينما ظل وراءهم جميعا جمهور كبير، يتلقى منهم رزقه إما بالعمل لهم وإما بما يقدّم لهم من مديح، يقول ذو الرّمّة (١):

وما كان مالى من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم

ولكن عطاء الله من كلّ رحلة ... إلى كل محجوب السّرادق خضرم (٢)

وقد مضى كثيرون من أصحاب الثراء العريض يحققون لأنفسهم كل ما تصبو إليه نفوسهم من صور الترف مما أدّى، وخاصة فى أواخر العصر، إلى ذيوع شعر الخمر والمجون وانتشاره.

وإذا ذهبنا نتعمّق النزاع السياسى الحادّ الذى نشب طوال العصر وتكونت بسببه فرق الزبيريين والشيعة والخوارج رأيناه يعود فى كثير من جوانبه إلى بواعث اقتصادية، فقد كانت هذه الفرق ترى الأمويين متسلطين على أموال الدولة ينثرونها على أنصارهم ومن يلوذون بهم دون نظر إلى مصلحة الجماعة. وذهب الزبيريون إلى أنه لا يمكن تحقيق هذه المصلحة إلا بعودة الخلافة من دمشق إلى الحجاز وتحرير الناس من تحكم القبائل اليمنية التى جعل لها الأمويون معظم السلطان، وذهبت الشيعة إلى أن هذه المصلحة لا يمكن أن تتحقق إلا على يد علوية تحمل الناس على الجادّة، بينما ذهب الخوارج إلى أنه لا يمكن أن تتحقق إلا بردّ الأمر إلى الأمة لتختار أولياءه الصالحين، ومضوا يجاهدون الأمويين جهادا عنيفا.


(١) الديوان ص ٦٣٣.
(٢) الخضرم: كثير الخير والجود.

<<  <  ج: ص:  >  >>