للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما زال به أبوه يلحّ عليه أن يتزوج من أخرى، لعله ينسى صاحبته.

وتمضى القصة فتزعم أنه رأى فى بعض أحياء العرب فتاة تسمى لبنى فيها مخايل صاحبته، فتزوجها، ولكن حنينه إلى صاحبته الأولى عاوده. وكأنما لم يكن هناك سبيل إلى إطفاء جذوة هذا الحب. وتزعم القصة أيضا أن أباها شكاه إلى معاوية فأهدر دمه إن تعرّض لها، وأرسلت إلى حبيبها بالخبر مشفقة عليه، ويروون أنها تزوجت من غيره، عله ينساها، ولكن أنّى له؟ لقد أمضه الغرام، ومضى إلى ديار قومها فوجدها قد رحلت مع زوجها، فوضع خده على التراب، وبكى أحرّ بكاء منشدا:

وإن تك لبنى قد أتى دون قربها ... حجاب منيع ما إليه سبيل

فإن نسيم الجوّ يجمع بيننا ... ونبصر قرن الشمس حين تزول

وأرواحنا بالليل فى الحىّ تلتقى ... ونعلم أنا بالنهار نقيل (١)

وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا ... سماء نرى فيها النجوم تجول

واشتدت به المحنة، واشتد به الوجد والهيام، والحياة من حوله وحول معشوقته تمعن فى القسوة، وهو لا يزال ينشد فيها الأشعار من مثل قوله:

إلى الله أشكو ما ألاقى من الهوى ... ومن حرق تعتادنى وزفير

ومن ألم للحب فى باطن الحشا ... وليل طويل الحزن غير قصير

وقوله:

وبين الحشا والنّحر منى حرارة ... ولوعة وجد تترك القلب ساهيا

تمرّ الليالى والشهور ولا أرى ... ولوعى بها يزداد إلا تماديا

وقوله:

ألا ليت أياما مضين تعود ... فإن عدن يوما إننى لسعيد


(١) نقيل: من القيلولة وهى نصف النهار.

<<  <  ج: ص:  >  >>