للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفى الطبرى طرف من قصصه (١)، وكذلك كان يصنع أصحاب الثورات على نحو ما نعرف عن جهم بن صفوان وصنيعه فى فتنة الحارث بن سريج بخراسان (٢).

وفى هذه البيئة الدينية، بيئة الوعظ والقصص، أخذ يتضح رقىّ العقل العربى بما أصاب من كنوز الثقافات الأجنبية، فإذا جدل كثير ينشب فى مسائل العقيدة، كمسألة ارتباط الإيمان بالعمل، وهل يعدّ المسلم مؤمنا وإن لم يؤدّ الفروض الدينية، ومثل مسألة حرية الإرادة وهل الإنسان مخيّر فى الحياة أو مسيّر لا حول له ولا قوة. ومثل مسألة صفات الله، هل هى عين الذات الإلهية أو غيرها، وسرعان ما تكونت فرق الجبرية والمرجئة والقدرية والمعتزلة، مما عرضنا له فى غير هذا الموضع.

والمهم أن هذه الفرق تجادلت جدالا طويلا فى هذه المسائل العقيدية وهو جدال رشّح لقيام مناظرات عنيفة بينها، وهى مناظرات حشدوا لها كل ما يمكن من أدلة نقلية عن الكتاب والسنة وأدلة عقلية مدارها على البرهان المنطقى.

ولم تكن هذه الفرق تتجادل فيما بينها فحسب، بل كانت تجادل أيضا طوائف من أصحاب الديانات السماوية وغير السماوية، وكانوا يرونهم فى جدالهم يستعينون بالمنطق اليونانى وبشعب مختلفة من الفلسفة والثقافات الأجنبية، فطلبوا الوقوف على ذلك كله. وهم من هذه الناحية يعدّون أسبق الطوائف العربية فى معرفة شئون الفكر الأجنبى ودقائق احتجاجاته.

وعلى هذا النحو انبثق علم الكلام فى عصر بنى أمية، وانبثقت معه صور خطابية جدلية هى صور المناظرة والمحاورة، وهى صور جديدة ضمّت إلى صور الخطابة السياسية والحفلية والدينية، صور كانت تسعى إلى نقض أدلة الخصوم وبيان أنهم مخدوعون فيما يذهبون إليه من آراء. وكان الناس يجتمعون من حول أصحاب هذه الصور فى حلقات، يقف فيها المناظر ومعه أصحابه، فيعلن رأيه ويدعمه بكل دليل، ويتقدم خصمه بين أنصاره فيحاول أن يحطم له كل دليل قدّمه، وأن يثبت رأيه هو بما يجمع له من براهين. وسنرى مدى ما كان لهذه المناظرات من أثر فى رقى الخطابة رقيّا بعيدا.


(١) طبرى ٥/ ٥٠.
(٢) طبرى ٦/ ٣ وما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>