للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبجانب ذلك نجد القبائل تعنى بأخبارها فى الجاهلية وأشعارها فتدونها، وتكاثر هذا التدوين فى الكوفة حيث كانت تعيش الأرستقراطية العربية، مما أتاح الفرصة للرواة من أمثال حماد الراوية أن يحملوا مادة غزيرة من الشعر الجاهلى وكل ما يتصل به من أخبار وأيام (١). وبين أيدينا أخبار مختلفة تدل على أن الشعر الإسلامى كان يكتب ويدوّن، من ذلك ما يرويه الجاحظ عن ذى الرّمّة من أنه كان يقول لعيسى بن عمر: «اكتب شعرى فالكتاب أحبّ إلىّ من الحفظ، لأن الأعرابىّ ينسى الكلمة وقد سهر فى طلبها ليلته، فيضع فى موضعها كلمة فى وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاما بكلام» (٢)، وفى أخبار جرير أنه كان يأمر راويته حسينا بإعداد ألواح ودواة ليملى عليه بعض أشعاره (٣) وأنه كان يقول لسامعيه بالمربد قيّدوا قيّدوا أى اكتبوا (٤)، وفى الأغانى أن خالد بن كلثوم الكلبى كان يدوّن شعره وشعر الفرزدق (٥). ونحن لا نصل إلى عصرهما حتى يتكون بالبصرة والكوفة جيل من الرواة، يعنى بتدوين أخبار العرب فى الجاهلية وأشعارهم، لعل خير من يمثّله أبو عمرو بن العلاء، وفيه يقول الجاحظ: «كانت كتبه التى كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له، إلى قريب من السّقف، ثم إنه تقرّأ (تنسّك) فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظ بقلبه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية» (٦).

وعناية العرب فى هذا العصر بتدوين أخبارهم الجاهلية وأنسابهم وأشعارهم لا تقاس إلى عنايتهم بتدوين كل ما اتصل بدينهم الحنيف فقد تأسست فى كل بلدة إسلامية مدرسة دينية عنيت بتفسير الذكر الحكيم ورواية الحديث النبوى وتلقين الناس الفقه وشئون التشريع. وكان كثيرون من المتعلمين فى هذه المدارس يحرصون على تدوين ما يسمعونه. وقد اشتهر ابن عباس فى مكة بما كان يحاضر فى تفسير القرآن الكريم، وحمل عنه تفسيره نفر من التابعين


(١) أغانى (دار الكتب) ٦/ ٩٤.
(٢) الحيوان ١/ ٤١.
(٣) نقائض جرير والفرزدق (طبعة بيقن) ص ٤٣٠ وانظر أغانى (دار الكتب) ٨/ ٣٢.
(٤) ابن سلام ص ٣٧٤.
(٥) أغانى (ساسى) ١٩/ ١١ - ١٢.
(٦) البيان والتبيين ١/ ٣٢١.

<<  <  ج: ص:  >  >>