للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفى ذلك يقول أبو العتاهية: (١)

احذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق (٢)

كلما رقّعته من جانب ... زعزعته الريح يوما فانخرق

أو كصدع-فى زجاج-فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق

فإذا عاتبته كى يرعوى ... زاد شرّا وتمادى فى الحمق

وكان الشاعر القد: كما أسلفنا يقدم لمدحته بوصف الأطلال معبرا عن حنين قوى لملاعب حبه فى صباه وشبابه، مستطردا من ذلك إلى وصف الصحراء، وقد صورنا ما حدث من إضافات فى هذه المقدمات، والمسألة تتسع، فإذا هى توحى للشاعر العباسى بمقطوعات أو قصائد مستقلة وكأنه اتخذ منها نوافذ لموضوعات جديدة، وهى موضوعات نجد بذورها فى مدائحه، فقد ذكرنا أنه عدل أحيانا عن وصف الأطلال إلى وصف القصور، ولكن الذى نسجله هنا أنه ترك أطلال نجد إلى أطلال بعض القصور فى الحاضرة وخصها بمقطوعات مفردة من مثل قول محمد ابن يسير فى قصر خرب (٣):

ألا يا قصر قصر النّوشجانى ... أرى بك بعد أهلك ما شجانى (٤)

فلو أعفى البلاء ديار قوم ... لفضل منهم ولعظم شانى

لما كانت ترى بك بيّنات ... تلوح عليك آثار الزمان

وهذا الموضوع الجديد هو الذى ألهم البحترى فيما بعد سينيته المشهورة فى إيوان كسرى. وقد دفع الحنين الذى صحب وصف الأطلال الشاعر العباسى فى بعض مدائحه إلى بثّ حنين مقابل لوطنه وبلده حين ينأى عنه وتظل روحه ملتصقة به، ولكن الجديد أنه أفرد لهذا الحنين قطعا بديعة من مثل قول دعبل (٥):

ألم يأن للسّفر الذين تحمّلوا ... إلى وطن قبل الممات رجوع (٦)


(١) العقد الفريد ٦/ ٣٥٧.
(٢) الخلق: البالى.
(٣) أغانى (طبع دار الكتب) ١٤/ ٣٩.
(٤) شجانى: أحزننى.
(٥) أغانى (ساسى) ١٨/ ٤٤.
(٦) يأن: يحق. تحملوا: ارتحلوا.

<<  <  ج: ص:  >  >>