للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واضحة عن حياته فى موطنه الأول الكوفة ولا فى البصرة، غير أننا نراه يصطدم بشاعر بصرى يسمى ابن قنبر، عنى بأن يردّ على الطرماح الشاعر الأموى الخارجى أهاجيه فى قبيلته تميم، وأن يهجو طيئا والأزد وغيرهما من قبائل اليمن التى انتصر لها الطرماح، وامتعض مسلم لمواليه من الأنصار الأزديين اليمنيين، وزجّ بنفسه معه فى معركة هجاء عنيفة، وكان أقوى منه شاعرية، فهتكه ومزقه واضطره إلى أن يمسك عن مناقضته.

وجذبت بغداد مسلما فهاجر إليها، لعل بضاعته تروج فيها ويحظى بما حظى به أعلام الشعراء فى عصره من جوائز الخلفاء والأمراء والوزراء والولاة والقواد. ولا يعرف بالضبط تاريخ هجرته، ولكن فى أخباره أنه هاجر إليها مع أخيه سليمان وانقطعا لمديح يزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة، وقد توفى سليمان سنة ١٧٩ للهجرة. وفى أخبار مسلم أنه كان يمدح من دون الخليفة ولا يطمح إليه، فكان يقول: أرى نفسى تذوب حسرات من أنه يحوى جوائز الخلفاء من لا يوازينى فى أدب. ويدل ذلك على أنه ظل فى بغداد مدة قصرت همته فيها عن لقاء الرشيد ثم لقيه، ويقال إن منصور بن يزيد الحميرى خال الرشيد هو الذى أوصله إليه.

وتلتقى أخبار لقائه له بمدائحه ليزيد بن مزيد وقضائه على ثورة الوليد بن طريف الخارجى فى سنة ١٧٩ للهجرة، ومن حينئذ لمع اسمه وعلا نجمه بين شعراء بغداد ويظهر أن صلة انعقدت بينه وبين البرامكة، فقد كان وثيق الصلة بمحمد بن منصور كاتبهم، وله فيهم مدائح مختلفة.

وفى ديوانه قصائد أربع فى مديح الرشيد، ويظهر أن كثيرا من مدائحه فيه سقط من يد الزمن، ويقال إنه لما أنشده لاميته فيه، وأورد على سمعه قوله فى مقدمتها:

هل العيش إلا أن أروح مع الصّبا ... وأغدو صريع الرّاح والأعين النّجل (١)

قال له: أنت صريع الغوانى، فلصقت به الكلمة، وأصبحت لقباله لا يعزف إلا به (٢). ونراه دائما ينوه بانتصاراته على أعدائه، من مثل قوله (٣):


(١) نجل: جمع نجلاء وهى الواسعة. الراح: الخمر.
(٢) ابن المعتز ص ٢٣٥ والديوان ص ٤٣.
(٣) الديوان ص ٢٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>