للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حياته. واتسع برحلاته إلى حمص، وكأنما كان السّعد معه على ميعاد، فإذا هو يسمع بأن أبا تمام بها والشعراء يعرضون عليه أشعارهم، فعرض عليه شعره، فأقبل عليه، وقال له: أنت أشعر من أنشدنى فكيف حالك، فشكا إليه خلّة، فكتب إلى أهل معرّة النعمان: «يصل كتابى مع الوليد أبى عبادة الطائى وهو على بذاذته"سوء حاله"شاعر فأكرموه» واستقبلوه استقبالا حسنا ووظّفوا له أربعة آلاف درهم (١). وفى رأينا أنه لم يصله بأهل معرة النعمان فقط، فقد وصله أيضا ببعض ممدوحيه إذ نراه يقبل على بعض من خصّهم بمديحه فيمدحهم، مثل آل حميد الطوسى فى الموصل، وخالد بن يزيد الشيبانى والى أرمينية والثغور، وأبى سعيد محمد بن يوسف الثغرى الطائى الذى ولاه المعتصم حلب وثغور الشام والجزيرة، وقد لزمه ولزم ابنه يوسف، ويبدو أنه أول من اتصل بهم من ممدوحى أبى تمام.

وتخرج بعض الروايات ذلك مخرج القصص، فتذكر أنه دخل عليه وأبو تمام عنده، فأنشده قصيدته:

أأفاق صبّ من هوى فأفيقا ... أم خان عهدا أم أطاع شفيقا

فردّها أبو تمام عليه من حفظه كأنها من نظمه، وعرّفه أبو تمام نفسه، ولزمه البحترى (٢). ونظن أن الرواة زادوا فيها أنه لم يكن يعرف أبا تمام، فمعرفته به أسبق من ذلك كما أسلفنا، بل هو الذى حثه على مديح أبى سعيد الثغرى ولقائه له وهو عنده. ولم يكتف أبو تمام بتقديم الشاعر الشاب إلى بعض ممدوحيه، فقد مضى يتعهد شاعريته، ويلقنه كيف يجيد الشعر ويحسنه، حتى خرّجه فيه شاعرا ممتازا راع معاصريه، ويصرّح بذلك البحترى معترفا بجميل أستاذه إذ يقول (٣):

«كنت فى حداثتى أروم الشعر وكنت أرجع إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه. . . حتى قصدت أبا تمام، فانقطعت فيه إليه، واتكلت فى تعريفه عليه، فكان أول ما قال لى: يا أبا عبادة تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم. واعلم أن العادة فى الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شئ أو حفظه فى وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من


(١) أخبار البحترى ص ٥٦، والأغانى ١٨/ ١٦٩.
(٢) أخبار البحترى ص ٦٣، والأغانى ١٨/ ١٦٩.
(٣) زهر الآداب للحصرى ١/ ١٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>