للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلا الأوارىّ لأيا ما أبيّنها ... والنّؤى كالحوض بالمظلومة الجلد (١)

ردّت عليه أقاصيه ولبّده ... ضرب الوليدة بالمسحاة فى الثّأد (٢)

خلّت سبيل أتىّ كان يحبسه ... ورفّعته إلى السّجفين فالنّضد (٣)

أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذى أخنى على لبد (٤)

وهو يستهلها بنداء دار مية ولا يسمع رجعا لندائه ولا ردّا عليه، فقد خلت من سكانها وبارحوها منذ أمد طويل. ويقول إنه وقف بها وقت الأصيل يسائلها ولا من مجيب، ويصف آثارها وما أبقى الزمن منها، ويقول لم يبق منها إلا الأوتاد وإلا النؤى. ويطيل فى وصفه ليظهر قدرته الخيالية، فقد حفرته جارية فى أرض صلبة، وما زالت ترد أتربته على حوافيه، باسطة طريقه إلى الخيام ليرد عنها سيول المطر. وقد أبدع فى تسمية الأرض التى لم تحفر بالمظلومة، وهو أول من أعطاها هذا الاسم، كأنه أحس إزاء الصخر الذى لا يحرث ولا يزرع بضرب من الظلم.

وقد ختم نسيبه بإظهار هذه الدار التى رحل عنها أهلها بمظهر بال، فقد جرّت الأيام عليها أذيال البلى والعفاء، كما جرّتها من قبل على لبد نسر لقمان المشهور بطول عمره وطول سلامته.

وواضح أن هذا النسيب فيه قدرة بارعة على الوصف، ولكن ليس فيه عاطفة قوية، وربما رجع ذلك إلى وقار النابغة، فهو ينسب بالمرأة لا ليصور حبّا، وإنما ليتمسك بهذا التفليد الثابت عند الجاهليين من افتتاح قصائدهم بوصف آثار الديار وما صنعت بها الأحداث. وقد أوشك فى مقدمته لاعتذاريته العينية أن يصور عواطفه وحبه ولكنه لم يكد يقول:

فكفكفت منى عبرة فرددتها ... على النّحر منها مستهلّ ودامع (٥)


(١) الأوارى: الأوتاد وما يربط بها من حبال. النؤى: حفرة حول الخيام تمنع عنها السيول. المظلومة: الأرض صعبة الحفر. الجلد: الصلبة.
(٢) لبده: جمعه. الوليدة: الأمة. الثأد: الثرى الندى.
(٣) خلت: شقت. الأتى: السيل. رفعته: أعلته. السجفان: مصراعا الستر فى الخيمة. النضد: المتاع.
(٤) أخنى عليها: أصابها بآفات الدهر. لبد: نسر للقمان يقولون إنه عمر طويلا.
(٥) كفكف الدمع: مسحه. المستهل: السائل. الدامع: الذى يترقوق فى العين قبل أن يسقط.

<<  <  ج: ص:  >  >>