للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شاعر الفاطميين ووزيرهم طلائع ابن رزيك وجّه بها إلى طبيب تعهّده وكان محموما، فلم يبرأ على يديه وفيها يقول (١):

وأصل بليّتى من قد غزانى ... من السّقم الملحّ بعسكرين

طبيب طبّه كغراب بين ... يفرّق بين عافيتى وبينى

أتى الحمّى وقد شاخت وباخت ... فردّ لها الشباب بنسختين

ودبّرها بتدبير لطيف ... حكاه عن سنان أو حنين (٢)

وكانت نوبة فى كلّ يوم ... فصيرّها بحذق نوبتين

والجليس يداعب الطبيب فبدلا من أن يصله بعافيته فرق بينهما، ويقول إنه جاء فى أواخر الحمى وقد شاخت وباخت أو فترت فإذا هو يردّ لها الشباب بورقتين من سفوف الدواء أو كما يقول بنسختين، وكأنما أحكم تدبيره فى ردّ قوة الحمى إليها فإذا هى لا تعاوده فى اليوم نوبة بل نوبتين.

ولعل القارئ لم ينس ابن الذّروى فى الحقبة الأيوبية ووصفه لحدبة ابن أبى حصينة وصفا ساخرا لاذعا. ومن طريف ما نقرأ من دعابات فى هذه الحقب دعابة البهاء زهير مع أحد أصدقائه، وقد جعل موضوعها بغلته، يقول (٣):

لك يا صديقى بغلة ... ليست تساوى خردله

تمشى فتحسبها العيو ... ن على الطريق مشكّله (٤)

وتخال مدبرة إذا ... ما أقبلت مستعجله

مقدار خطوتها الطو ... يلة حين تسرع أنمله

تهتزّ وهى مكانها ... فكأنما هى زلزله

ويريد البهاء زهير بالخردلة أقل شئ فى الصغر، ويقول إنها حين تمشى يظّن أنها مقيدة لبطئها الشديد، ويجعلها مدبرة حين تقبل ومقدار خطوتها الطويلة أنملة فما بالنا بخطوتها القصيرة، وإنها لتهتز واقفة لا تسير ولا تتحرك كأنما هى زلزلة.


(١) الخريدة ١/ ١٩٢.
(٢) سنان هو سنان بن ثابت بن قرة من أطباء القرن الثالث ومثله حنين بن إسحق.
(٣) كتاب البهاء زهير للشيخ مصطفى عبد الرازق ص ٥٤.
(٤) مشكلة: مقيدة.

<<  <  ج: ص:  >  >>