للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فى حديثنا عن اللغة واللغويين والنحاة والنحويين فى الفصل الثالث.

وهذا النشاط العلمى الواسع اقترن به نشاط أدبى، فقد كان السيوطى شاعرا، كما كان كاتبا ناثرا، وعنى عناية واسعة بفن المقامة على الطريقة المصرية التى وصفناها، فالمقامة لا تدور على الصعلكة كما كانت عند الهمذانى والحريرى، وإنما تدور على المنافرة والمفاخرة، وأكثر من ذلك حتى لتبلغ مقاماته نحو الأربعين، وربما كان أطرفها ما أداره منها حول مفاخرات الأزهار والفواكه والبقول والنقل والعطور، وقد خص الأزهار بمقامته الوردية والفواكه بمقامته التفاحية والبقول الخضراء بمقامته الزمردية والنّقل بمقامته الفستقية والعطور بمقامته المسكية، وخصّ الأحجار الكريمة بمقامته الياقوتية. ونقف قليلا عند مقامته الوردية فعلى غرارها تلك المقامات جميعا، وهى مفاخرة أو مناظرة بين الأزهار والرياحين، استهلّها الورد ببيان محاسنه وأنه ملك الرياحين منعش للأرواح ومتاع إلى حين، وأنه ظاهر على أزهار البساتين منتصر منها بقوة الشوكة والصولة.

وواضح ما فى كلمة الشوكة من تورية إذ لا يريد البأس بشهادة كلمة الصولة، وإنما يريد الشوكة الحقيقية للورد واحدة أشواكه، وما يلبث الورد أن يدلّ بفوائده الطبية، ويرد عليه النرجس مفاخرا بمحاسنه محاولا أن يغض منه، قائلا:

«لقد تجاوزت الحد، ياورد، وزعمت أنك جمع فى فرد، إن اعتقدت أنه لك بحمرتك فخر، فإنه منك فجر. . فاحفظ بالصمت حرمتك، وإلا كسرت بقائم سيفى شوكتك. وإنى القائم لله فى الدياجى على ساقى، الساهر طول الليل فى عبادة ربى فلا تطرف أحداقى. . وأنا فريد الزمان فى المحاسن والإحسان، ولهذا قال فىّ كسرى أنوشروان: النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر. . وأنا المشبّه بى عيون الملاح، والمقرون فى مهمات الأدواء بالصلاح».

وللسيوطى بجانب ذلك مقامات جعل محورها الذى تدور عليه مسائل علمية، إذ يورد فيها أسئلة تحمل ألفاظا غريبة ملغزا بها، ثم يذكر جوابها مفسرا لها. مزيلا عنها غرابتها، محاكيا بذلك الحريرى فى مقامته الطيبيّة نسبة إلى طيبة أى المدينة وقد ضمّنها مائة مسألة فقهية وأجوبتها كأن يقول فيها: «أيستباح ماء الضرير؟ » ويجيب أبو زيد السروجى بطل المقامات الحريرية: نعم ويجتنب ماء البصير» والضرير: حرف الوادى والبصير الكلب. ونرى السيوطى يستوحى هذه المقامة، فيكتب على غرارها مقامته المكية، ويستهلها على هذا النمط:

«حدثنا هاشم بن القاسم قال: مازلت أقتحم المهامه (١) المخيفة، وأدخل فى المسالك العنيفة


(١) المهامه: القفار والفلوات.

<<  <  ج: ص:  >  >>