للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبيانية على حشد كل ما يجلو ملامح من يتحدث عنهم من الأدباء ورجال السياسة والحكم، وهو بذلك يختلف اختلافا بينا عن الثعالبى فى يتيمته والعماد الأصبهانى فى خريدته، إذ لا يرصف حشودا من الثناء والإطراء لا تكشف شخصية من يكتب عنه كما يصنعان، بل يجلو شخصيته جلاء تاما، على الرغم من أنه يعتمد فى كتابه على السجع مثلهما، غير أنه سجع لا يستر حقائق الشخصية، بل يعرضها فى ضياء غامر، ولنضرب لذلك مثالا، هو ترجمته للشاعر أبى عبد الله بن الحداد الذى مرت ترجمته بين شعراء المديح وهو يفتتحها على هذه الشاكلة (١):

«كان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح فى طريق المعارف وضوح الصّبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل (٢) إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينمّ على أشعاره، ويتبيّن فى منازعه وآثاره، وله فى العروض تأليف، وتصنيف مشهور معروف، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الخليليّة، وردّ فيه على السّرقسطىّ المنبوز بالحمار (٣)، ونقض كلامه فيما تكلم عليه من الأشطار. وأصل أبى عبد الله من وادى آش إلا أنه استوطن المريّة أكثر عمره، وفى بنى صمادح معظم شعره، ومع ذلك طولب عندهم هنالك، ولحق بثغر بنى هود، وله فيهم أيضا غير ما قصيد، وهو القائل بعد خروجه من المريّة من قطعة فلسفية:

لزمت قناعتى وقعدت عنهم ... فلست أرى الوزير ولا الأسيرا

وكنت سمير أشعارى سفاها ... فعدت لفلسفيّاتى سميرا

وكان قد منى فى صباه بصبيّة نصرانية ذهبت بلبّه كلّ مذهب، وركب إليها أصعب مركب، فصرف نحوها وجه رضاه، وحكّمها فى رأيه وهواه، وكان يسمّيها نويرة كما فعل الشعراء الظرفاء قديما فى الكناية عمنّ أحبوه، وتغيير اسم من علقوه. وقد كتبت فى هذا الفصل بعض ما قاله فيها من ملحه، ورائق أوصافه ومدحه، وبعض سائر شعره، بعد تقديم فصول من نثره ما يقرّ بتفضيله، ويشهد له بجملة الاحسان وتفصيله».

والتعريف بابن الحداد مثل بقية الذخيرة مسجوع، والسجع فيها دائما لا يبهم شخصيات الشعراء والكتاب بل يوضحها توضيحا تاما على نحو ما نرى الآن فى السجع


(١) الذخيرة ١/ ٦٩١.
(٢) قدح ابن مقبل: سهم فائز من سهام الميسر.
(٣) هو سعيد بن فتحون وانظره فى الجذوة ٢١٦ والذيل والتكملة ٤/ ٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>